4:14 صباحًا الجمعة 23 أغسطس، 2019






ميزان العدل

صور ميزان العدل

المحكمه الجنائيه الدولية..

 

و إشكاليات قانونيه لا تنتهي
من رحم تصفيه الحسابات الاستعماريه القديمة, و نتائج الحرب العالمية الثانية, و رغبه الفائز في’ معاقبه المهزوم’, خرجت فكرة’ شريفة’ بإنشاء المحكمه الجنائيه الدولية, التي تعد, من الناحيه النظريه من اهم المكاسب التي حققها الإنسان في العصر الحديث, رغم كونها في الأساس و ليده حسابات الماضى و رهن حسابات و موازين القوي في الحاضر.
فقد بدأت الفكرة الحقيقيه لإنشاء محكمه دوليه لمعاقبه مجرمى الحرب الدوليين و مرتكبى الجرائم ضد الإنسانيه منذ محاكمات نورمبرج و طوكيو التي تم اطلاقها لمعاقبه مرتكبى الجرائم الجماعيه من الدول التي خسرت الحرب العالمية الثانية, و قدمت لجنه خاصة بناء على طلب من الجمعيه العامة للأمم المتحده في مطلع الخمسينيات من القرن الماضى مسودتين لنظام المحكمه الجنائية, لكنهما حفظتا على الرف تحت و طأه الحرب الباردة التي جعلت تأسيس المحكمه من الناحيه السياسية امرا غير و اقعي.

وفى عام1989, و مع قرب انهيار الشيوعيه في روسيا و شرق اوروبا, سعت ترينيداد و توباجو الى احياء الفكرة, عندما اقترحت انشاء محكمه دائمه للنظر في تجاره المخدرات, و لكن ظروف الحرب في منطقة البلقان فرضت الحاجة الى انشاء محكمه خاصة لمحاكمه مرتكبى جرائم حرب البوسنة, و كانت النتيجة تشكيل محكمه مجرمى الحرب في يوجوسلافيا عام1993, و فرضت الحرب الأهليه في رواندا هي الأخرى انشاء محكمه مماثله لمجرمى الحرب في رواندا عام1994, و باتت الحاجة ضرورية بعد ذلك لإنشاء محكمه جنائيه دوليه تكون مهمتها محاكمه مجرمى الحرب و مرتكبى الجرائم اللا انسانيه في اي مكان اخر.

وفى عام1998, اقرت الجمعيه العامة للأمم المتحده مشروع قرار انشاء المحكمه الجنائيه الدوليه بأغلبية120 صوتا مقابل7 و امتناع21 عن التصويت, و الدول السبع التي رفضتة هي: الولايات المتحده و إسرائيل و الصين و العراق و قطر و ليبيا و اليمن, ثم كان القانون سيتحول الى معاهده ملزمه مع توقيع الدوله رقم60 على اتفاقيه انشاء المحكمة, و لكن حدث في يوم11 ابريل2002 ان تقدمت عشر دول بقرارات مصادقتها على القانون دفعه واحدة, و هو ما رفع عدد الدول المصادقه عليها الي66, و هو ما حال دون تمتع دوله واحده منفرده بشرف تقديمها المصادقه رقم60, و ظهرت المحكمه الى الوجود بصفه قانونيه في اول يوليو2002, و لا يمكنها النظر في الجرائم المرتكبه قبل ذلك, و أصبح تاريخ ميلاد المحكمه الجنائيه الدولية, التي يكتب اسمها بالإنجليزيةInternationalWorldTribunal, اول يوليو من عام2002, و هو اليوم الذى دخل فيه ما يعرف ب’قانون روما للمحكمه الجنائيه الدولية’ حيز التنفيذ, لتكون بذلك اول محكمه قادره على محاكمه الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإباده الجماعيه و الجرائم ضد الإنسانيه و جرائم الحرب, و لتكون ايضا اول هيئه قضائيه دوليه لها صفة’ الولايه القانونيه العالمية’.

 

و بلغ عدد الدول التي و قعت على قانون انشاء المحكمه الجنائيه الدولية105 دول حتى نوفمبر من عام2007, و وقعت41 دوله اخرى على قانون روما بإنشاء المحكمه و لكنها لم تصدق عليه, و معروف ان هناك فارقا بين مجرد التوقيع و ’التصديق’, و هي محكمه مختصه بالنظر فقط في القضايا التي حدثت قبل اول يوليو2002, اي انها لا يمكنها النظر في قضايا بأثر رجعي, و هذه النقطه تمثل اشكاليه كبيرة في حد ذاتها, باعتبار ان الجرائم الإسرائيليه التي ارتكبت بحق الفلسطينيين و غيرهم منذ عام1948 لا تدخل في الإطار الزمنى لعمل المحكمة, بما في ذلك ما حدث في دير ياسين و صبرا و شاتيلا و جنين..

 

الخ.

وتتميز المحكمه بأنها هيئه مستقله عن الأمم المتحده من حيث التمويل و العاملين فيها, و يوجد اتفاق موقع بين المنظمتين: الأمم المتحده و المحكمه الدولية, يحدد اختصاصات كل منهما و طرق تعاونهما مع بعضها البعض من الناحيه القانونية, و لا ينبغى هنا الخلط بين هذه المحكمه و بين محكمه العدل الدوليه التي قد يطلق عليها اختصارا في بعض الأحيان’ المحكمه الدولية’, و الأخيره تعد ذراعا تابعة للأمم المتحده هدفها حل النزاعات بين الدول فقط, و ليس محاكمه الأفراد, و هو الاختلاف الرئيسى بينهما, و لكل منهما نظام قضائى و تأسيسى مختلف, و يوجد المقر الرئيسى للمحكمه الجنائيه الدوليه في هولندا.

وتختص المحكمه بالنظر في جرائم مثل: الإباده الجماعية, و الجرائم ضد الإنسانية, و جرائم الحرب, و جرائم الاعتداء, و كل نوع من انواع هذه الجرائم لها توصيفها القانونى باستثناء النوع الأخير و هي جريمة الاعتداء, فالإباده الجماعيه يقصد بها اي فعل من الأفعال المحدده في قانون روما مثل القتل او الأذى الذى يتم ارتكابة بهدف اهلاك جماعة قوميه او عرقيه او دينيه كلا او جزءا, بينما الجرائم ضد الإنسانيه هي الجرائم التي ترتكب ضد السكان المدنيين عمدا مثل القتل و الاغتصاب و العبوديه الجنسية و الإبعاد القسرى للسكان و التفرقه العنصرية, سواء ارتكبت هذه الأفعال في وقت الحرب او وقت السلم, اما جرائم الحرب, فهي انتهاكات قانون جنيف الصادر عام1949 التي يتم ارتكابها في اطار النزاعات الدوليه او الأهليه المسلحة.

 

و برغم كل هذه الحسابات و الإشكاليات التي تشوب عمل المحكمه الجنائيه الدولية, فإن مصر تعد من الدول العربية القليلة التي’ و قعت’ على الانضمام للمحكمة, ايمانا منها بأهميه توفير العداله الدوليه و تطبيق القانون الدولى على ما يستحق, و أيضا للاستفاده من الميزات الدوليه الكبيرة التي يوفرها الانضمام الى هذه الهيئه الدوليه المهمه مثل الانضمام الى مجموعة الدول التي يحق لها ترشيح و انتخاب قضاه و الترشح لمنصب المدعى العام للمحكمه و غيرهم من الموظفين و المحققين الذين يشكلون الجهاز الإدارى للمحكمة.

والطريف في الأمر ان بعض المعلقين العرب سارعوا بعد صدور قرار المحكمه الجنائيه الدوليه الأخير ضد الرئيس السوداني عمر البشير بتوجية الاتهام الى المحكمه باعتبارها منظمه تخضع لسيطره و هيمنه الولايات المتحدة, و نسى هؤلاء ان عدم تصديق الولايات المتحده على اتفاقيه روما حتى الآن يعطى ميزه للمحكمه الجنائيه الدوليه قد لا تتوافر لأى منظمه دوليه اخرى و هي قدرتها على اتخاذ قراراتها و أحاكمها بصورة مستقله الى حد كبير بعيدا عن الضغوط الأمريكية, فالولايات المتحده دوله موقعه على الاتفاقيه منذ عهد الرئيس السابق بيل كلينتون, و لكنها ليست مصدقة عليها, و لكن البعض الآخر لا ينكر ان الولايات المتحده ربما استخدمت المحكمه من و راء الستار كوسيله اضافيه لهاإطار قانونى للضغط على القاده السودانيين الى جانب مجلس الأمن الدولى بطبيعه الحال, رغم ان حقيقة الأمر تشير الى ان السودان ليس عضوا في المحكمه الدوليه و هو بالتالي غير ملزم بتنفيذ قراراتها.

 

سيريا كورت

368 views

ميزان العدل