6:30 مساءً الإثنين 23 يوليو، 2018

تعامل الرسول مع الناس


كيف تعامل ألرسول – صلي الله عَليه و سلم – مَع ألناس؟
مواقف عمليه)

صورة تعامل الرسول مع الناس

مقدمه

والصلاة و ألسلام علَي خير ألخلق،
رسول ألانسانيه،
من بعثه الله بالحق هاديا و مرشدا و معلما.
أما بَعد:
فيقول الله فِى كتابة ألكريم:
{لقد كَان لكُم فِى رسول الله أسوه حسنه لمن كَان يرجو الله و أليَوم ألاخر و ذكر الله كثِيرا [الاحزاب:
21].
فالرسول ألخاتم هُو ألمثال و ألقدوه ألَّتِى و جهنا ألقران الي أتباعها و ألسير علَي خطاها؛
كى ننال فلاح ألدنيا و ألاخره،
ونحن نقرا فِى اى ألقران:
{وما أرسلناك ألا رحمه للعالمين [الانبياء:
107].
أي:
انه بعثَ للبشريه كلها؛
رجالا و نساء،
اطفالا و شيوخا،
مؤمنين و كافرين،
ارسله الله دليلا يدل ألناس علَي ألطريق،
ورائدا يقود أتباعه الي ألخير و ألي ألسعادة و ألرضوان.
و جاءت سيرته و أفعاله كلها دليلا عمليا يعلم ألناس كَيف يعيشون و كيف يتعاونون،
كيف يختلفون و كيف يتحاورون،
بل كَيف يحاربون و كيف يسالمون.
و انها لمنه كبري مِن ألخالق ألعظيم أن تَكون لدينا تلك ألمدرسة ألنورانيه او ألجامعة ألكبرى،
الَّتِى تخرج فيها مِن قَبل جيل ألصحابه ألاولين،
بينما ألعالم ألَّذِى يدعى ألتحضر لَم يبدا ألحديثَ عَن ألانسان و تنميته و علاقته بالاخرين ألا حديثا!
و علي رغم ذلك،
فقد أدعوا انهم مؤسسو علم جديد يعني بالتنميه ألبشريه و نجاح ألانسان فِى حياته؛
وللاسف كَما أعتاد ألمسلمون أن يستوردوا كُل شيء،
فقد أستوردوا ذلِك ألعلم ألمزعوم،
ونسوا أن لديهم كنزا ما عرفت ألبشريه مِثله،
ولو عرفوا قيمته،
لهرعوا ينهلون و ياخذون بقسطهم مِنه.
أننا لَو تتبعنا هدى ألرسول ألكريم فِى ألتعامل مَع ألناس،
ومنهجه فِى تربيه أصحابه ألكرام – لادركنا أننا نحمل للبشريه خيرا عميما،
ينقذها مِن كُل ألامها و عذاباتها،
ويقدم لَها سعادتها ألكبري ألَّتِى تبتغيها.
فهلم يا كُل ألبشر،
ويا كُل محبى ألانسانيه،
ويا مِن تبحثون عَن سعادة ألانسان و رضا قلبه،
يا مِن تتحدثون عَن حضارة أنسانيه و تعايش سلمي،
يا مِن ترجون للعالم أمنا،
وللنفوس أتزانا،
وللارواح سلاما،
تعالوا الي مدرسة ألنبوه ألخالده نستجل بَعضا مِن مواقف ألحبيب،
وصورا مِن تعامله مَع أصناف ألناس،
كيف أحبهم
وكيف أسعدهم
حتي كَان أحب أليهم مِن نفوسهم ألَّتِى بَين جنوبهم.
هلم الي تلك ألروضه ألغناء؛
لعل نفوسنا ألعصيه علَي ألتغيير تحاول ألقرب مِن ألحبيب،
فتَكون أطيب و أرقي و تقتدى بخير خلق ألله.
ألفصل ألاول
مراعاه ألطبيعه ألبشريه
خلق الله ألانسان مميزا بصفات و طبائع عده،
وفطره علَي أمور يعرف بها؛
كحبه للمال،
وتعجله للخير،
وحاجته للحب و ألاهتمام و ألتشجيع،
وغير ذلِك مما يعرفه علماءَ ألنفس،
ويتحدثَ بِه أصحاب ألتنميه ألبشريه أليوم.
أما مدرستنا ألنبويه،
فقد علمت ذلِك منذُ زمن بعيد،
وتعاملت مَع ذلِك ألانسان تعاملا راقيا؛
فصار بَعدها ذلِك ألانسان ألسماوى ألَّذِى أقام ألحضاره،
وعلم ألدنيا،
ونفع ألناس جميعا!
و ألآن لنا أن ناخذ بَعض ألمواقف – لاننا لا نملك أن نحصى ألمواقف ألعطره كلها – كى نضعها أنموذجا و مثالا نسير عَليه،
ونهديه لاجيالنا؛
كى يترقوا و يسلكوا ألطريق الي ألسعاده،
والي رضوان ألله،
ولقد راينا فِى تلك ألمواقف صورا رائعه مِن مراعاه طبيعه ألبشر مِن نواح عده:
أبداءَ ألاهتمام:
كَان رسولنا – صلي الله عَليه و سلم – يظهر أهتمامه بِكُل فرد علَي حده،
وكان لذلِك قيمته ألكبري فِى ألمجتمع ألمسلم؛
اذ يشعر ألفرد حينذاك باهميته و بما يملك مِن طاقات؛
فيسعي لخدمه دينه و أهله و مجتمعه،
فها هُو زاهر ألَّذِى يروى لنا أنس – رضى الله عنه – حديثَ رسول الله معه و كيف رفع قيمته،
وعرفه قدره عِند ألله.
عَن أنس:
ان رجلا مِن أهل ألباديه كَان أسمه زاهرا يهدى ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – ألهديه مِن ألباديه،
فيجهزه ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – إذا أراد أن يخرج،
فقال رسول ألله:
((ان زاهرا باديتنا و نحن حاضروه))،
وكان رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يحبه و كان رجلا دميما،
فاتاه رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و هو يبيع متاعه،
فاحتضنه مِن خَلفه و لا يبصره ألرجل،
فقال:
ارسلني،
من هَذا
فالتفت فعرف ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فجعل لا يالو ما ألصق ظهره بصدر ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – حين عرفه،
وجعل رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يقول:
((من يشترى ألعبد؟))،
فقال:
يا رسول ألله،
اذن و الله تجدنى كاسدا،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
(لكن عِند الله لست بكاسد – او قال:
– لكِن عِند الله انت غال) .

كَان – صلي الله عَليه و سلم – يعامل كُل احد يلقاه بمهارات؛
من أحتفاء،
وتفاعل،
وبشاشه؛
حتي يشعر ذلِك ألشخص انه أحب ألناس أليه،
وبالتالى يَكون هُو ايضا أحب ألناس أليهم؛
لانه أشعرهم بمحبته.
و ها هُنا موقف آخر نري فيه كَيف يهتم ألرسول باصحابه؛
حتي يظن ألواحد مِنهم انه أحب ألناس أليه:
كَان عمرو بن ألعاص – رضى الله عنه – داهيه مِن دهاه ألعرب؛
حكمه و فطنه و ذكاء،
فادهي ألعرب أربعه:
عمرو و أحد مِنهم،
اسلم عمرو و كان راسا فِى قومه،
فكان إذا لقى ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فِى طريق راي ألبشاشه و ألبشر و ألمؤانسه،
واذا دخل مجلسا فيه ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – راي ألاحتفاءَ و ألسعادة بمقدمه،
واذا دعاه ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – ناداه باحب ألاسماءَ أليه.
شعر عمرو بهَذا ألتعامل ألراقى و دوام ألاهتمام و ألتبسم – انه أحب ألناس الي رسول ألله،
فاراد أن يقطع ألشك باليقين،
فاقبل يوما الي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و جلس أليه،
ثم قال:
يا رسول ألله،
اى ألناس أحب أليك
فقال – صلي الله عَليه و سلم
((عائشه))،
قال عمرو:
لا،
من ألرجال يا رسول الله
لست أسالك عَن أهلك،
فقال – صلي الله عَليه و سلم
((ابوها))،
قال عمرو:
ثم مِن
قال:
((ثم عمر بن ألخطاب))،
قال:
ثم اى
فجعل ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – يعدَد رجالا،
يقول:
فلان،
ثم فلان بحسب سبقهم الي ألاسلام،
وتضحيتهم مِن أجله،
قال عمرو:
فسكت؛
مخافه أن يجعلنى فِى أخرهم،
فانظر كَيف أستطاع – صلي الله عَليه و سلم – أن يملك قلب عمرو بمهارات أخلاقيه مارسها معه .

تقديم ألنصح فِى صورة طيبه:
نادرا ما تجد أنسانا يقبل أن تسدد أليه نصحا،
او تصحح لَه خطا،
وقد كَان رسول ألانسانيه ألعظيم يعلم أن افضل ألطرق لقبول ألنصيحه و وضعها موضع ألتنفيذ – هِى أن تقدم فِى صورة طيبه و بكلمات تقبلها ألنفس؛
مع أن خير ألبشر لَو أراد لقال نصحة علَي اى و جه؛
فَهو يعلم أن أصحابه يقدمونه علَي أنفسهم،
وان ما يدلهم عَليه أحب أليهم مما يحبون،
لكنه يقدم لنا ألاسوه و ألقدوه؛
فها هُو – صلي الله عَليه و سلم – يدعو عبد الله بن عمر لقيام ألليل،
فلا يقول كَما يقول بَعض ألشيوخ:
ان ألتاركين لصلاه ألليل خاسرون و فاسقون – فربما كَان ألمعني صحيحا،
ولكن أسلوب ألكلام لا يدعو أحدا الي قبول ألنصيحه و ألعمل بها – بل يقول فِى حب:
((نعم ألعبد عبد الله بن عمر لَو كَان يقُوم مِن ألليل))،
قال سالم بن عبد الله بن عمر:
فكان عبد الله بَعد ذلِك لا ينام مِن ألليل ألا قلِيلا.
تقدير ألطاقات و ألمواهب:
مِن خِلال تشجيع ألمحسن و ألثناءَ عَليه؛
ليزداد نشاطا و أقبالا علَي ألعلم و ألعمل،
مثلما فعل مَع أبى موسي ألاشعرى حين أثني علَي قراءته و حسن صوته بالقران ألكريم؛
فعن أبى موسي – رضى الله عنه – أن ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – قال له:
((لو رايتنى و أنا أستمع لقراءتك ألبارحه،
لقد أوتيت مزمارا مِن مزامير أل دواد) .
و قد قدر رسول ألكريم شاعريه حسان بن ثَابت فلم ياخذ عَليه او يدعه الي ترك قول ألشعر و ألالتفات الي ألجهاد بالنفس او تعلم ألقران،
بل علمنا أن ألاسلام يحتاج الي كُل ألطاقات،
ويقدر كُل ألمواهب،
فجعل حسان فارسا مِن فرسان دعوه ألاسلام يذود عنها بشعره و لسانه،
ويهجو شعراءَ ألمشركين،
فيمدحه رسول الله قائلا:
((اهجهم و روح ألقدس معك)).
ألبحثَ عَن منافذ ألخير:
لان رسولنا ألحبيب كَان يعرف معادن ألناس؛
فقد كَان أحرص ألناس علَي دعوه مِن يتوسم فيهم ألصلاح و ألخير،
حتي و أن بدوا أعداءَ كارهين لدعوه ألاسلام؛
لذا فقد قال ألنبى ألملهم مِن ألسماء:
((الناس معادن،
خيارهم فِى ألجاهليه خيارهم فِى ألاسلام إذا فقهوا) ؛
ولذا نراه – صلي الله عَليه و سلم – يامل فِى أسلام بَعض ألفضلاءَ ألَّذِين حاربوا ألاسلام فِى بدايته،
وقادوا ضده ألمعارك،
ومن هؤلاءَ كَان ألقائد ألمميز ألَّذِى صار يضرب باسم الله بَعد ذلِك خالد بن ألوليد!
فماذَا قال عنه رسول ألله؛
حتي يفَتح قلبه و عقله للاسلام بَعدما أدرك أن فيه منافذ خير تؤهله أن يَكون قائدا مِن جنود ألاسلام ألعظام
مقاله و صلت الي مسامع خالد،
فاحدثت أثرا فِى قلبه ألَّذِى كتب الله لَه ألهدايه:
((اومثل خالد يتوه عَن ألاسلام؟!)).
و لنستمع ألآن الي خالد نفْسه يقص علينا خبر أسلامه،
وكيف و قع فِى قلبه كلام رسول الله عنه!
“كان أخى ألوليد بن ألوليد قَد دخل مَع ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فِى عمَره ألقضيه،
فطلبنى فلم يجدني،
فكتب الي كتابا،
فاذا فيه:
،
اما بَعد،
فانى لَم أر أعجب مِن ذهاب رايك عَن ألاسلام،
وعقلك عقلك،
ومثل ألاسلام جهله احد
وقد سالنى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – عنك فقال:
اين خالد
فقلت:
ياتى الله بِه
فقال:
ما مِثله جهل ألاسلام،
ولو كَان جعل نكايته و جده مَع ألمسلمين علَي ألمشركين،
لكان خيرا له،
ولقدمناه علَي غَيره،
فاستدرك يا أخى ما فاتك،
فقد فاتتك مواطن صالحه.
قال:
فلما جاءنى كتابه،
نشطت للخروج،
وزادنى رغبه فِى ألاسلام،
وسرنى مقاله رسول ألله،
قال خالد:
واري فِى ألنوم كَانى فِى بلاد ضيقه جديبه،
فخرجت الي بلد أخضر و أسع،
فقلت:
ان هَذه لرؤيا،
فلما قدمت ألمدينه قلت:
لاذكرنها لابى بكر،
قال:
فذكرتها،
فقال:
هو مخرجك ألَّذِى هداك الله للاسلام،
والضيق ألَّذِى كنت فيه مِن ألشرك،
فلما أجمعت للخروج الي رسول ألله،
قلت:
من أصاحب الي رسول الله
فلقيت صفوان بن أميه فقلت:
يا أبا و هب،
اما تري ما نحن فيه
إنما نحن أكله راس،
وقد ظهر محمد علَي ألعرب و ألعجم،
فلو قدمنا علَي محمد فاتبعناه؛
فان شرف محمد علَي ألعرب،
فابي أشد ألاباء،
وقال:
لو لَم يبق غَيرى مِن قريش ما أتبعته أبدا،
فافترقنا،
وقلت:
هَذا رجل موتور يطلب و ترا،
قد قتل أبوه و أخوه ببدر،
فلقيت عكرمه بن أبى جهل فقلت لَه مِثل ألَّذِى قلت لصفوان،
فقال لِى مِثل ما قال صفوان،
قلت:
فاكتم علي،
قال:
لا أذكره،
فخرجت الي منزلي،
فامرت براحلتي،
فخرجت بها الي أن لقيت عثمان بن طلحه،
فقلت:
ان هَذا لِى صديق،
فلو ذكرت لَه ما أرجو،
ثم ذكرت مِن قتل مِن أبائه،
فكرهت أذكره،
ثم قلت:
وما على و أنى راحل مِن ساعتي،
فذكرت لَه ما صار ألامر أليه،
فقلت:
إنما نحن بمنزله ثَعلب فِى جحر،
لو صب عَليه ذنوب مِن ماءَ لخرج،
قال:
وقلت لَه نحو ما قلت لصاحبيه،
فاسرع فِى ألاجابه،
وقال:
لقد غدوت أليَوم و أنا أريد أن أغدو،
وهَذه راحلتى بفخ مناخه،
قال:
فاتعدت انا و هو بياجج،
ان سبقنى أقام،
وان سبقته أقمت عَليه،
قال:
فادلجنا سحرا فلم يطلع ألفجر حتّي ألتقينا بياجج،
فغدونا حتّي أنتهينا الي ألهده،
فنجد عمرو بن ألعاص بها،
فقال:
مرحبا بالقوم،
فقلنا:
وبك،
قال:
مسيركم
قلنا:
ما أخرجك
قال:
فما ألَّذِى أخرجكم
قلنا:
الدخول فِى ألاسلام و أتباع محمد – صلي الله عَليه و سلم – قال:
وذلِك ألَّذِى أقدمني.
قال:
فاصطحبنا جميعا حتّي قدمنا ألمدينه فانخنا بظاهر ألحره ركابنا،
فاخبر بنا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فسر بنا،
فلبست مِن صالح ثَيابي،
ثم عمدت الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فلقينى أخى فقال:
اسرع؛
فان رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – قَد أخبر بك فسر بقدومك،
وهو ينتظركم،
فاسرعت ألمشى فطلعت عَليه،
فما زال يتبسم الي حتّي و قفت عَليه،
فسلمت عَليه بالنبوه،
فرد على ألسلام بوجه طلق،
فقلت:
انى أشهد أن لا أله ألا ألله،
وانك رسول ألله،
فقال:
((الحمد لله ألَّذِى هداك،
قد كنت أري لك عقلا،
رجوت ألا يسلمك ألا الي خير))،
قلت:
يا رسول ألله،
قد رايت ما كنت أشهد مِن تلك ألمواطن عليك معاندا عَن ألحق،
فادع الله أن يغفرها لي،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((الاسلام يَجب ما كَان قَبله))،
قلت:
يا رسول ألله،
علي ذلِك
فقال:
((اللهم أغفر لخالد كُل ما أوضع فيه مِن صد عَن سبيلك))،
قال خالد:
وتقدم عمرو و عثمان فبايعا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و كان قدومنا فِى صفر سنه ثَمان،
فوالله ما كَان رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – مِن يوم أسلمت يعدل بي أحدا مِن أصحابه فيما حزبه” .
لا يترك مدخلا للشيطان:
و هب الله رسول ألاسلام ألعظيم مِن ألمواهب،
ورزقه مِن ألمهارات – ما يعينه علَي تبليغ ألدعوه و تربيه أصحابه و ألامه مِن بَعده؛
ولذلِك كَان طبيعيا أن يلتفت الي ألطبيعه ألبشريه ألَّتِى يجرى مِنها ألشيطان مجري ألدم فِى ألعروق،
فيعلمنا ألا نترك فرصه و لا مدخلا يدخل مِن خِلاله ألشيطان،
فيوسوس للنفس،
ويلقى أليها بالظنون،
ويثقل كاهلها بالشك ألبغيض،
ومع انه رسول ألله،
ومع انه ألمعصوم مِن ألرذائل و ألفتن،
نجده فِى ذلِك ألموقف يضع لنا قاعده فِى ألتعامل مَع ألشائعات او ألظنون،
وهو ألا نترك لَها مدخلا للشيطان،
والا نستثير ظنون ألاخرين و شكوكهم فينا،
فنوضح ما خفي للناس،
ونبين لَهُم ما غاب عنهم.
انها صفيه!
تروى صفيه – رضى الله عنها
أنها جاءت الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – ليلا تزوره – و هو معتكف فِى ألمسجد – فحدثته،
قالت:
ثم قمت فقام معى – و كان مسكنها فِى دار أسامه بن زيد – فمر رجلان مِن ألانصار،
فلما رايا ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – أسرعا،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((علي رسلكما،
أنها صفيه بنت حيي))،
فقالا:
سبحان الله يا رسول الله
فقال:
((ان ألشيطان يجرى مِن ألانسان مجري ألدم،
وانى خشيت أن يقذف فِى قلوبكَما شيئا – او قال:
شرا)) .
حسن ألاستماع:
يتحدثَ ألدعاه عَن فن أحتواءَ ألقلوب،
ويضعون حسن ألاستماع الي ألاخر اول ألخطوات الي كسب و تاليف ألقلوب،
وها هُو سيد ألدعاه يعلمنا فِى احد ألمواقف كَيف نستمع الي ألاخر بِكُل حب،
حتي و أن أغلظ فِى ألقول او بدا غَير مهذب.
“بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثَعلبه و أفدا الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فقدم عَليه فاناخ بعيره علَي باب ألمسجد ثَُم عقله،
ثم دخل ألمسجد و رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – جالس فِى أصحابه،
وكان ضمام رجلا أشعر ذا غديرتين،
فاقبل حتّي و قف علَي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فِى أصحابه،
فقال:
ايكم أبن عبد ألمطلب،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((انا أبن عبد ألمطلب))،
قال:
محمد،
قال:
((نعم))،
قال:
ابن عبد ألمطلب،
انى سائلك و مغلظ فِى ألمساله،
فلا تجدن فِى نفْسك،
قال:
((لا أجد فِى نفْسي،
فسل عما بدا لك))،
قال:
انشدك بالله ألهك و أله مِن قَبلك و أله مِن هُو كائن بَعدك،
الله بعثك ألينا رسولا
قال:
((اللهم نعم))،
فقال:
انشدك بالله ألهك و أله مِن هُو كائن بَعدك،
الله أمرك أن تامرنا أن نعبده لا نشرك بِه شيئا،
وان نخلع هَذه ألانداد ألَّتِى كَان أباؤنا يعبدون معه
قال:
((اللهم نعم))،
قال:
فانشدك الله ألهك و أله مِن قَبلك و أله مِن هُو كائن بَعدك،
الله أمرك أن تصلى هَذه ألصلوات ألخمس
قال:
((اللهم نعم))،
قال:
ثم جعل يذكر فرائض ألاسلام فريضه فريضه:
الزكاه،
والصيام،
والحج،
وشرائع ألاسلام كلها،
يناشده عِند كُل فريضه كَما ناشده فِى ألَّتِى قَبلها.
فلما فرغ قال:
انى أشهد أن لا أله ألا ألله،
واشهد أن محمدا رسول ألله،
وساؤدى هَذه ألفرائض،
واجتنب ما نهيتنى عنه لا أزيد و لا أنقص،
قال:
ثم أنصرف راجعا الي بعيره،
قال:
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – حين و لى:
((ان صدق ذُو ألعقيصتين يدخل ألجنه))،
قال:
فاتي بعيره فاطلق عقاله،
ثم خرج حتّي قدم علَي قومه فاجتمعوا أليه،
فكان اول ما تكلم بِه أن قال:
بئست أللات و ألعزى،
قالوا:
مه يا ضمام،
اتق ألبرص و ألجذام،
اتق ألجنون،
قال:
ويلكم،
انهما و الله ما يضران و لا ينفعان؛
ان الله قَد بعثَ رسولا،
وانزل عَليه كتابا أستنقذكم بِه مما كنتم فيه،
وانى أشهد أن لا أله ألا ألله،
وحده لا شريك له،
وان محمدا عبده و رسوله،
وقد جئتكم مِن عنده بما أمركم بِه و نهاكم عنه،
قال:
فوالله ما أمسي فِى ذلِك أليَوم و في حاضره رجل و لا أمراه ألا مسلما،
قال:
يقول أبن عباس:
فما سمعنا بوافد قوم افضل مِن ضمام” .
ألكلام ألمناسب:
يعلمنا ألرسول ألقدوه أن لكُل كلام و قْتا و مناسبه،
وليس اى كلام يصلح فِى اى و قْت،
ويوضح لنا مِن خِلال مواقفه ألعملية ألراقيه كَيف نكون رحماءَ بالناس؛
من خِلال ألكلمه ألطيبه ألَّتِى تراعى مشاعرهم،
وتقدر أحتياجاتهم،
فنكون لَهُم سندا و عونا فِى صحراءَ ألحيآة ألقاسيه.
و لنا أن نتامل فِى هَذا ألموقف كَيف أحس رسول الله بما يحتاجه جابر بن عبد الله مِن دعم معنوى و مادى بَعد عودته متعبا مِن غزوه ذَات ألرقاع “وجابر – رضى الله عنه – أهل لهَذه ألعنايه فِى هَذه ألايام بالذات؛
فقد قتل أبوه فِى معركه أحد)،
وهو سيد مِن سادات ألانصار،
وقد خَلف و راءه تبعه ثَقيله تحملها أبنه ألاكبر هَذا و حده،
وترك ألاب لولده مُهمه رعايه ألبنات أليتم،
وقد بلغ عدَدهن سبعا،
علي فقر و شظف،
وكان أجدر بغير جابر أن يتخلف عَن مِثل هَذه ألغزوه؛
متعللا بهَذه ألمسؤوليه ألاسريه ألصعبه،
ولو تخلف مِثل جابر لكان لَه فِى ذلِك ألف عذر،
ولكنها أسرة مسلمه مجاهده،
وربها مجاهد أبن مجاهد،
ومن يشابه أباه فما ظلم” .
لقد رق ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و هو صاحب ألقلب ألرؤوف – لحال جابر و أل جابر و بيت جابر،
فيبدو أن رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – كَان يلحظه بعين رحمته ألشفيقه بَين ألفينه و ألاخرى،
كَما ينظر أحدنا لولده شفقه مِن حين الي أخر؛
حتي لَم يجده مَره فِى صفوف ألجيش،
وقد جعل ألجيش يمضى و جابر يتاخر بِه جمله ألعليل،
ويكان ألعله قَد أصابت جابرا فِى كُل بيته حتّي جمله!
فاذا ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – يدرك ذلك،
فيؤخر جمله؛
ليلحق بجابر فِى آخر ألجيش،
فادركه،
وعلم ما حل بجمله مِن عله،
فقال ألنبى – صلي الله عَليه و سلم
((اعطنى هَذه ألعصا مِن يدك))،
قال جابر:
فنخسه بها نخسات،
ثم قال ألنبى – صلي الله عَليه و سلم
((اركب))،
فركبت،
فخرج و ألذى بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقه!
ثَُم دار هَذا ألحديثَ ألرقيق ألرفيق،
الذى يعَبر عَن نفْس زكيه عظيمه،
كَانت بَين جنبى محمد – صلي الله عَليه و سلم – تبين لك كَيف كَان حرصه علَي ألمؤمنين،
وكيف كَان يتذرع ألذرائع مِن أجل أن يخدمهم،
ويصنع ألصنائع مِن أجل أن يكرمهم:
قال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((اتبيَعنى جملك هَذا يا جابر؟))،
قال جابر:
يا رسول ألله،
بل أهبه لك
قال:
((لا،
ولكن بعنيه))،
قال جابر:
فسمنى به،
قال:
((قد قلت:
اخذته بدرهم))،
قال:
لا،
اذا يغبننى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – قال:
((فبدرهمين))،
قال جابر:
لا.
و لم يزل هَذا ألحديثَ ألفكه هكذا،
ورسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يرفع لَه فِى سعر ألجمل حتّي بلغ ألاوقيه،
فقال جابر:
فقد رضيت،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((قد رضيت؟))،
قال:
نعم،
هو لك،
قال:
((قد أخذته)).
ثَُم أنتقل ألحوار ألكريم الي مجال أخر،
وقد تحدثَ ألنبى الي جابر كَما يتحدثَ أحدنا الي أخيه او صديقه حديثَ ألرجل للرجل،
مع ظرف و طرف و لطف:
فقال ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – لجابر:
((يا جابر،
هل تزوجت بَعد؟))،
قال:
نعم يا رسول ألله،
قال:
((اثيبا أم بكرا؟))،
قال:
بل ثَيبا،
قال:
((افلا جاريه،
تلاعبها و تلاعبك؟))،
قال:
يا رسول ألله،
ان أبى أصيب يوم أحد،
وترك بنات لَه سبعا،
فنكحت أمراه جامعه؛
تجمع رؤوسهن،
وتَقوم عَليهن،
قال:
((اصبت أن شاءَ ألله)).
ثَُم قال ألنبى – صلي الله عَليه و سلم
((اما انا لَو قَد جئنا صرارا [موضع قرب ألمدينه] أمرنا بجزور فنحرت،
واقمنا عَليها يومنا ذلك،
وسمعت بنا،
فنفضت نمارقها))،
قال:
والله يا رسول ألله،
ما لنا مِن نمارق!
قال:
((أنها ستكون،
فاذا انت قدمت،
فاعمل عملا كيسا)).
و أخفض جناحك لمن أتبعك مِن ألمؤمنين [الشعراء:
215].
قال جابر:
فلما جئنا صرارا،
امر رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بجزور فنحرت،
فاقمنا عَليها ذلِك أليوم،
فلما أمسي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – دخل،
ودخلنا،
فلما أصبحت أخذت براس ألجمل فاقبلت به؛
حتي أنخته علَي باب رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – ثَُم جلست فِى ألمسجد قريبا مِنه،
وخرج رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فراي ألجمل،
فقال:
((ما هذا؟))،
قالوا:
يا رسول ألله،
هَذا جمل جاءَ بِه جابر،
قال:
((فاين جابر؟))،
فدعيت له،
قال:
((تعال،
اى يا بن أخي،
خذ براس جملك،
فَهو لك)).
فدعا بلالا،
فقال:
((اذهب بجابر،
فاعطه أوقيه))،
فذهبت معه فاعطانى أوقيه،
وزادنى شيئا يسيرا.
قال جابر:
فوالله ما زال ينمى عندنا،
ونري مكانه مِن بيتنا .
و لا تنقضى مواقف ألرسول ألرحيم ألرؤوف بامته،
وبسائر بنى ألبشر،
فَهى مدرسة تَحْتاج أن نلجها صبحا و مساء؛
كى ناخذ زادا يعيننا علَي ألسير علَي طريق ألحق و ألخير؛
طريق ألرسول ألكريم.

الفصل ألثاني
مراعاه ألنفسيات ألمختلفه
مَع أتفاق بنى ألبشر فِى طبائع معينه،
الا أن الله خلق لكُل أنسان شخصيه خاصة به،
وطباعا تتعلق بِه و حده،
يتوارثها او يكتسبها مِن بيئته،
كَما أن لكُل فرد نفْسيه خاصة تَحْتاج لفهم؛
حتي لا نسَبب ألاذى،
او نقلل شان احد دون و عى او أدراك،
وهَذا فن آخر يعلمنا أياه رسول ألانسانيه – صلي الله عَليه و سلم – مِن خِلال تعامله مَع صحابته و مع غَيرهم مِن أفراد ألمجتمع فِى ألمدينه.
و لنتامل بَعضا مِن تعامله مَع تلك ألنفسيات ألمتباينه،
كيف تعامل معها جميعا،
وجمعها فِى و حده و أحده،
وعلي طريق و أحد؟
تعامله مَع ألصديق – رضى الله عنه
فها هُو مَع صاحبه و خليلة أبى بكر يقدر لَه تلك ألنفس ألرقيقه،
ويختاره صاحبا لَه فِى ألهجره،
ولم يقل حينها:
انا أحتاج الي رفيق قوى يحمى ألدعوه؛
وإنما راه رجل تلك ألرحله – و ألَّتِى كَانت مِن كبري أحداثَ ألاسلام – بل كاد أن يتوقف عَليها مستقبل ألدعوه باكملها،
ثم ها هُو يختاره فِى أشد أللحظات حرجا؛
ليؤكد انه ألاصلح لخلافته.
لما مرض رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – مرض ألموت،
واشتد عَليه ألوجع،
لم يستطع ألقيام ليصلى بالناس،
فقال و هو علَي فراشه:
((مروا أبا بكر فليصل بالناس))،
قالت أم ألمؤمنين عائشه بنت ألصديق – رضى الله عنها
ان أبا بكر رجل أسيف،
اذا قام مقامك لَم يستطع أن يصلى بالناس؛
اي:
من شده ألتاثر و ألبكاء،
وكان ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – يعلم ذلِك عَن أبى بكر،
انه رجل رقيق يغلبه ألبكاء،
خاصة فِى هَذا ألموطن،
لكنه – صلي الله عَليه و سلم – كَان يشير الي أحقيه أبى بكر بالخلافه مِن بَعده،
فاعاد – صلي الله عَليه و سلم – ألامر:
((مروا أبا بكر فليصل بالناس) حتّي صلي أبو بكر.
تعامله مَع عمر بن ألخطاب:
و تعامل – صلي الله عَليه و سلم – مَع عمر ألقوى ألجريء فِى ألحق ألَّذِى لا يرضي بالدنيه،
وزكي شجاعته
و قوته بتلقيبه بالفاروق،
وبقوله له:
((ما لقيك ألشيطان قط سالكا فجا،
الا سلك فجا غَير فجك) .

و هنا فِى هَذا ألموقف نجد لعمر حضورا يسعد بِه ألنبي.
لقد خرج ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – مَع أصحابه الي بدر،
فلما سمع بخروج قريش عرف أن رجالا مِن قريش سيحضرون الي ساحه ألمعركه كرها،
ولن يقع مِنهم قتال علَي ألمسلمين.
فقام – صلي الله عَليه و سلم – فِى أصحابه و قال:
((انى قَد عرفت رجالا مِن بنى هاشم و غيرهم قَد أخرجوا كرها لا حاجة لَهُم بقتالنا؛
فمن لقى منكم أحدا مِن بنى هاشم،
فلا يقتله،
ومن لقى أبا ألبخترى بن هشام،
فلا يقتله،
ومن لقى ألعباس بن عبد ألمطلب عم رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فلا يقتله؛
فانه إنما خرج مستكرها)).
و قيل:
ان ألعباس كَان مسلما يكتم أسلامه،
فلم يحب ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – أن يقتله ألمسلمون.
كَانت هَذه ألمعركه اول معركه تَقوم بَين ألفريقين:
المسلمين و كفار قريش.
و كَانت نفوس ألمسلمين مشدوده،
فهم لَم يستعدوا لقتال،
وسيقاتلون أقرباءَ و أبناءَ و أباء.
و هَذا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يمنعهم مِن قتل ألبعض،
وكان عتبه بن ربيعه مِن كبار كفار قريش،
ومن قاده ألحرب،
وكان أبنه أبو حذيفه بن عتبه بن ربيعه مَع ألمسلمين،
فلم يصبر أبو حذيفه،
بل قال:
انقتل أباءنا و أبناءنا و أخواننا،
ونترك ألعباس
والله لئن لقيته لالحمنه بالسيف.
فبلغت كلمته رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فالتفت ألنبى – عَليه ألصلاة و ألسلام – فاذا حوله اكثر مِن ثَلاثمائه بطل،
فوجه نظره فورا الي عمر،
ولم يلتفت الي غَيره و قال:
((يا أبا حفص،
ايضرب و جه عم رسول الله بالسيف؟!)).
قال عمر:
والله،
انه لاول يوم كنانى فيه رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بابى حفص.
و كان عمر رهن أشاره ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و يعلم انهم فِى ساحه قتال لا مجال فيها للتساهل فِى ألتعامل مَع مِن يخالف أمر ألقائد،
او يعترض امام ألجيش،
فاختار عمر حلا صارما،
فقال:
يا رسول ألله،
دعنى فلاضرب عنقه بالسيف،
فمنعه ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و راي أن هَذا ألتهديد كاف فِى تهدئه ألوضع.
كَان أبو حذيفه – رضى الله عنه – رجلا صالحا،
فكان بَعدها يقول:
ما انا بامن مِن تلك ألكلمه ألَّتِى قلت يومئذ،
ولا أزال مِنها خائفا ألا أن تكفرها عنى ألشهاده،
فقتل يوم أليمامه شهيدا.
هَذا عمر،
كان – رضى الله عنه – يعلم بنوع ألاعمال ألَّتِى يسندها أليه،
فليس ألامر متعلقا بجمع صدقات،
ولا باصلاح متخاصمين،
ولا بتعليم جاهل؛
وإنما هُم فِى ساحه قتال،
فكَانت ألحاجة الي ألرجل ألحازم ألمهيب اكثر مِنها الي غَيره؛
لذا أختار عمر و أستثاره:
((ايضرب و جه عم رسول الله بالسيف؟!) .

و هَذا ألموقف ألاخر ألَّذِى يرويه لنا ألصحابى ألجليل عبد الله بن مسعود يؤكد لنا كَيف زكي رسول الله صاحبيه ألاثنين،
وراي فِى كُل مِنهما شبها باحد ألانبياء،
فلم يعتب علَي احد مِنهما فِى رايه،
وإنما راي لكُل مِنهما نفْسيه خاصة يصدر عنها فِى رايه؛
فقدر هَذا و رحب به،
فليتنا نتشبه بفعل رسول الله و نقتدى بفعله ألكريم؛
فعن عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه – قال:
لما كَان يوم بدر قال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((ما تقولون فِى هؤلاءَ ألاسرى؟) فقال أبو بكر:
يا رسول ألله،
قومك و أهلك،
استبقهم و أستان بهم،
لعل الله أن يتوب عَليهم،
وقال عمر:
يا رسول ألله،
اخرجوك و كذبوك،
قربهم فاضرب أعناقهم،
وقال عبد الله بن رواحه:
يا رسول ألله،
انظر و أديا كثِير ألحطب،
فادخلهم فيه ثَُم أضرم عَليهم نارا،
فقال ألعباس:
قطعت رحمك،
فدخل رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و لم يرد عَليهم شيئا،
فقال ناس:
ياخذ بقول أبى بكر،
وقال ناس:
ياخذ بقول عمر،
وقال ناس:
ياخذ بقول عبد الله بن رواحه،
فخرج عَليهم رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فقال:
((ان الله ليلين قلوب رجال فيه حتّي تَكون ألين مِن أللبن،
وان الله ليشد قلوب رجال فيه حتّي تَكون أشد مِن ألحجاره،
وان مِثلك يا أبا بكر،
كمثل أبراهيم – عَليه ألسلام – قال:
{فمن تبعنى فانه منى و من عصانى فانك غفور رحيم [ابراهيم:
36]،
ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسي قال:
{ان تعذبهم فانهم عبادك و أن تغفر لَهُم فانك انت ألعزيز ألحكيم [المائده:
118]،
وان مِثلك يا عمر كمثل نوح؛
اذ قال:
{رب لا تذر علَي ألارض مِن ألكافرين ديارا [نوح:
26]،
وان مِثلك يا عمر كمثل موسي قال:
{ربنا أطمس علَي أموالهم و أشدد علَي قلوبهم فلا يؤمنوا حتّي يروا ألعذاب ألاليم [يونس:
88]،
ثم قال – صلي الله عَليه و سلم
((انتم عاله،
فلا ينفلتن مِنهم احد ألا بفداءَ او ضرب عنق))  .

تعامله مَع أبى ذر:
كَان رسول الله بما أوتى مِن فهم،
قد أدرك نفْسيه أبى ذر ألَّتِى تكره ألظلم،
وتاخذ نفْسها بالشده و ألزهد،
فوجهه الي أن يَكون نصيرا للمحتاجين ثَابتا علَي مبدا ألحق،
وان خالفه ألناس؛
ولانه فهم تلك ألنفسيه ألعازفه عَن ألدنيا قال لَه عندما طلب ألاماره يوما:
يا رسول ألله،
الا تستعملنى فِى اى منصب،
قال:
فضرب بيده علَي منكبي،
ثم قال:
((يا أبا ذر،
انك ضعيف،
وأنها أمانه،
وأنها يوم ألقيامه خزي،
وندامه ألا مِن أخذها بحقها،
وادي ألَّذِى عَليه فيه) .

تعامله مَع أبى سفيان:
كَان أبو سفيان مِن اكثر ألمشركين عداءَ لرسول الله و لدعوه ألاسلام،
وكان احد ألقواد ألَّذِين يقودون ألمعارك ضد رسول ألله،
ولكن رسول الله كَان يود لَه ألخير،
ويرجو أن يهديه الله الي دينه ألحق؛
لذا تعامل مَع نفْسيته ألَّتِى تحب ألفخر و ألَّتِى أعتادت علَي مظهر ألقوه،
وقدم لَه ألدليل ألعملى علَي قوه ألاسلام،
وانتشار أمَره فِى ألجزيره ألعربيه؛
مما كَان لَه أثره ألكبير فِى نفْس أبى سفيان؛
فاستجاب لداعى ألحق و أعلن أسلامة عقب ألفتح.
و لنر فِى حديثَ ألعباس كَيف تعامل ألرسول مَع أبى سفيان قائد جيش ألمشركين قَبل أسلامه:
قال ألعباس:
قلت:
يا رسول ألله،
ان أبا سفيان رجل يحب ألفخر،
فاجعل لَه شيئا،
قال:
((نعم،
من دخل دار أبى سفيان فَهو أمن،
ومن أغلق بابه فَهو أمن،
ومن دخل ألمسجد فَهو أمن))،
فلما ذهب لينصرف،
قال رسول ألله:
((يا عباس،
احبسه بمضيق ألوادى عِند خطم ألجبل،
حتي تمر بِه جنود الله فيراها))،
قال:
فخرجت حتّي حبسته حيثُ أمرنى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و مرت ألقبائل علَي راياتها،
كلما مرت قبيله،
قال:
يا عباس،
من هَذه
فاقول:
سليم،
فيقول:
ما لِى و لسليم،
ثم تمر بِه ألقبيله،
فيقول:
يا عباس،
من هؤلاءَ
فاقول:
مزينه،
فيقول:
ما لِى و لمزينه،
حتي مر بِه رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فِى كتيبته ألخضراء،
فيها ألمهاجرون و ألانصار،
لا يري مِنهم ألا ألحدق مِن ألحديد،
قال:
سبحان الله يا عباس
من هؤلاءَ
قال:
قلت:
هَذا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فِى ألمهاجرين و ألانصار،
قال:
ما لاحد بهؤلاءَ قَبل و لا طاقه،
ثم قال:
والله يا أبا ألفضل،
لقد أصبح ملك أبن أخيك أليَوم عظيما،
قال:
قلت:
يا أبا سفيان،
أنها ألنبوه،
قال:
فنعم أذا،
قال:
قلت:
النجاءَ الي قومك.
أن فِى هَذه ألقصة دروسا و عبرا و حكَما فِى كَيفية معامله رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – للنفوس ألبشريه،
ومن اهم هَذه ألدروس:
عندما أصبح أبو سفيان رهينه بيد ألمسلمين،
واصبح رهن أشاره ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و هم بِه عمر،
واجاره ألعباس،
ثم جاءَ فِى صبيحه أليَوم ألثانى ليمثل بَين يدى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و كَانت ألمفاجاه ألصاعقه لَه بدل ألتوبيخ و ألتهديد و ألاذلال أن يدعي الي ألاسلام،
فتاثر بهَذا ألموقف و أهتز كيانه،
فلم يملك ألا أن يقول:
بابى انت و أمى يا محمد،
ما أحلمك و أكرمك و أوصلك
انه يفدى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بابيه و أمه،
ويثنى عَليه ألخير كله:
ما أحلمك و أكرمك و أوصلك
.
و عندما قال ألعباس للنبى – صلي الله عَليه و سلم
ان أبا سفيان رجل يحب ألفخر،
فاجعل لَه شيئا،
قال ألنبى – صلي الله عَليه و سلم
((نعم،
من دخل دار أبى سفيان فَهو أمن))،
ففي تخصيص بيت أبى سفيان شيء يشبع ما تتطلع أليه نفْس أبى سفيان،
وفي هَذا تثبيت لَه علَي ألاسلام و تقوية لايمانه،
وكان هَذا ألاسلوب ألنبوى ألكريم عاملا علَي أمتصاص ألحقد مِن قلب أبى سفيان،
وبرهن لَه بان ألمكانه ألَّتِى كَانت لَه عِند قريش،
لن تنتقص شيئا فِى ألاسلام،
ان هُو أخلص لَه و بذل فِى سبيله،
وهَذا مِنهج نبوى كريم،
علي ألعلماءَ و ألدعاه الي الله أن يستوعبوه و يعملوا بِه فِى تعاملهم مَع ألناس .

تعامله مَع نفْسيات زوجاته:
مما لا شك فيه أن زواج ألرجل بأكثر مِن زوجه لَه نتائج كارثيه فِى كثِير مِن ألبيئات،
ليس بسَبب ألزواج نفْسه،
ولكن لان ألرجل ألَّذِى يتزوج لا يحسن ألتعامل مَع نفْسيه زوجتيه ألاولي او ألثانيه،
فَهو لا يقدر أن ألغيره أمر طبعى فِى فطره ألمراه،
فلا يعمل علَي علاجها او ألتقليل مِنها،
وهو كذلِك لا يقدر ألم ألزوجه ألاولي ألنفسي؛
لأنها مِن عاشت معه ألسنوات ألاولي ألَّتِى يَكون فيها دائما ألكثير مِن ألمصاعب ألَّتِى تتحملها ألزوجه راضيه مَع زوجها؛
لذا فإن رسول الله – ألَّذِى جمع بَين تسعه نساءَ – يقدم لنا ألنموذج ألراقى فِى ألتعامل مَع ألنساءَ و غيرتهن ألطبيعيه،
ولنقرا ذلِك ألموقف ألَّذِى حدثَ مَع أم ألمؤمنين عائشه – رضى الله عنها – و كيف كَان متفهما لموقفها،
وفي نفْس ألوقت كَان يدعوها الي تصحيح ما أخطات.
تروى أم سلمه انها أتت بطعام فِى صحفه لَها الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و أصحابه،
فجاءت عائشه متزره بكساء،
ومعها فهره،
فلقت بِه ألصحفه،
فجمع ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – بَين فلقتى ألصحفه،
ويقول:
كلوا،
غارت أمكم مرتين،
ثم أخذ رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – صحفه عائشه،
فبعثَ بها الي أم سلمه،
واعطي صحفه أم سلمه عائشه .

تعامله مَع ألاعراب:
أما ألاعراب،
فهم أبناءَ بيئه جافة خشنه،
تجعل نفوسهم أقرب الي ألجفاءَ مِنها الي ألود،
يحتاجون فِى ألتعامل معهم الي نفْس هادئه حليمه،
تفهم طبيعتهم،
وتقدر نفْسياتهم،
فتبسط أليهم ألود؛
حتي و أن بدؤوك بالعدوان،
فلنتعلم مِن مدرسة ألنبوه،
ولنقف علَي بَعض تلك ألمواقف ألَّتِى تزيدنا حبا و تعلقا برسولنا ألكريم:
و لنستمع الي أنس بن مالك يروى لنا:
كنت أمشى مَع رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و عليه برد نجرانى غليظ ألحاشيه،
فادركه أعرابي،
فجبذه بردائه جبذه شديده،
حتي نظرت الي صفحة عاتق رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – قَد أثرت بها حاشيه ألبرد مِن شده جبذته،
ثم قال:
يا محمد،
مر لِى مِن مال الله ألَّذِى عندك،
فالتفت أليه رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – ثَُم ضحك،
ثم أمر لَه بعطاءَ .

أن هَذا ألاعرابى لا يعجبه ألمنطق ألدقيق،
ولا ألطبع ألرفيق،
قدر ما يعجبه عطاءَ يملا جيبوبه،
ويسكن مطامعه .

و في يوم أقبل رجل الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فساله مالا،
فاعطاه ألنبى ألكريم قطيعا مِن غنم بَين جبلين،
فرجع ألرجل الي قومه،
فقال:
((يا قوم،
اسلموا؛
فان محمدا يعطى عطاءَ مِن لا يخاف ألفاقه .

مَع ألانصار بَعد غزوه حنين:
و أننا لنعجب مِن موقف ألرسول – صلي الله عَليه و سلم – مِن ألانصار بَعد غزوه حنين؛
اذ أدرك ما بنفوسهم،
فتعامل مَع نفْسياتهم ألمتاثره بحب بالغ حتّي بكت قلوبهم،
ودمعت أعينهم تاثرا و حبا لرسول لله،
وايثارا لما عِند ألله،
فلله دره مِن معلم
وها هِى ألقصة يرويها لنا أبو سعيد ألخدرى – رضى الله عنه
لما أصاب رسول الله ألغنائم يوم حنين،
وقسم للمؤلفه قلوبهم مِن قريش و سائر ألعرب ما قسم،
ولم يكن فِى ألانصار شيء مِنها – قلِيل و لا كثِير – و جد هَذا ألحى مِن ألانصار فِى أنفسهم حتّي قال قائلهم:
لقى و الله رسول الله قومه،
فمشى سعد بن عباده الي رسول ألله،
فقال:
يا رسول ألله،
ان هَذا ألحى مِن ألانصار و جدوا عليك فِى أنفسهم
قال:
((فيم؟))،
قال:
فيما كَان مِن قسمك هَذه ألغنائم فِى قومك و في سائر ألعرب،
ولم يكن فيهم مِن ذلِك شيء،
قال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((فاين انت مِن ذلِك يا سعد؟))،
قال:
ما انا ألا أمرؤ مِن قومي،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((اجمع لِى قومك فِى هَذه ألحظيره،
فاذا أجتمعوا فاعلمني))،
فخرج سعد فصرخ فيهم،
فجمعهم فِى تلك ألحظيره،
حتي إذا لَم يبق مِن ألانصار احد ألا أجتمع له،
اتاه،
فقال:
يا رسول ألله،
اجتمع لك هَذا ألحى مِن ألانصار حيثُ أمرتنى أن أجمعهم،
فخرج رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فقام فيهم خطيبا،
فحمد الله و أثني عَليه بما هُو أهله،
ثم قال:
((يا معشر ألانصار،
الم أتيكم ضلالا فهداكم ألله،
وعاله فاغناكم ألله،
واعداءَ فالف الله بَين قلوبكم؟))،
قالوا:
بلي
قال رسول ألله:
((الا تجيبونى يا معشر ألانصار؟))،
قالوا:
وما نقول يا رسول الله
وبماذَا نجيبك
المن لله و رسوله،
قال:
((والله،
لو شئتم لقلتم فصدقتم و صدقتم:
جئتنا طريدا فاويناك،
وعائلا فاسيناك،
وخائفا فامناك،
ومخذولا فنصرناك))،
فقالوا:
المن لله و رسوله،
فقال:
((اوجدتم فِى نفوسكم يا معشر ألانصار فِى لعاعه مِن ألدنيا،
تالفت بها قوما أسلموا،
ووكلتكم الي ما قسم الله لكُم مِن ألاسلام،
افلا ترضون يا معشر ألانصار أن يذهب ألناس الي رحالهم بالشاءَ و ألبعير،
وتذهبون برسول الله الي رحالكُم
فوالذى نفْسى بيده،
لو أن ألناس سلكوا شعبا و سلكت ألانصار شعبا،
لسلكت شعب ألانصار،
ولولا ألهجره لكِنت أمرا مِن ألانصار،
اللهم أرحم ألانصار،
وابناءَ ألانصار،
وابناءَ أبناءَ ألانصار))،
فبكي ألقوم حتّي أخضلوا لحاهم،
وقالوا:
رضينا بالله ربا،
ورسوله قسما،
ثم أنصرف و تفرقوا .

ألفصل ألثالث
مراعاه ألظروف و ألمواقف ألمختلفه
مما لا شك فيه أن ألظروف ألمختلفة ألَّتِى تمر بالانسان،
لها أثرها علَي تفكيره و تعامله،
وانه قَد يتصرف فِى موقف ما غَير تصرفه فِى موقف أخر،
ففي و قْت ألخوف نقبل مِن ألناس ما لا نقبل مِنهم و قْت ألامن،
وهم فِى و قْت ألفرح يقولون ما لا يقبلون بِه فِى و قْت ألحزن،
ولقد راينا كَيف كَان رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – حين يتعامل مَع ألناس يراعى تلك ألحالات ألشعوريه ألَّتِى تختلف عِند كُل موقف،
كَما كَان يراعى أختلاف أحوال ألشخص،
فلا يكلفه بما لا يطيق او يعنفه فِى أمر لَم يكن بيده.
و لننظر الي مواقف ألرسول ألعظيم،
وكيف كَان متفهما و مدركا لمشاعر أصحابه فِى كُل موقف:
أخذ بنفسى ألَّذِى أخذ بنفسك:
فها هُو مَع بلال – رضى الله عنه – يظهر رفقا و حلما،
ولم يعنف مِثلما نفعل كثِيرا نحن مَع ألاصحاب و ألابناء:
و لنقف مَع روايه أبى هريره يحدثنا عَن ذلِك ألموقف:
أن رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – حين قفل مِن غزوه خيبر،
فسار ليلة حتّي إذا أدركه ألكري عرس،
وقال لبلال:
اكلا لنا ألليل،
فصلي بلال ما قدر له،
ونام رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و أصحابه،
فلما تقارب ألفجر،
استند بلال الي راحلته مواجه ألفجر،
فغلبت بلالا عيناه و هو مستند الي راحلته،
فلم يستيقظ بلال و لا احد مِن أصحابه حتّي ضربتهم ألشمس،
فكان رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – أولهم أستيقاظا،
ففزع رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فقال:
اى بلال،
فقال بلال:
اخذ بنفسى ألَّذِى أخذ بنفسك بابى انت و أمى يا رسول ألله،
قال:
اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شيئا،
ثم توضا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و أمر بلالا فاقام ألصلاه،
فصلي بهم ألصبح،
فلما قضي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – ألصلاه،
قال:
من نسى صلاه،
فليصلها إذا ذكرها؛
فان الله – عز و جل – قال:
{واقم ألصلاة لذكرى [طه:
14] .

و هكذا راينا ألحبيب يتفهم تعب بلال،
ويقدر حالته،
فلا يغضب و لا يعنف!
يا عمرو،
صليت باصحابك و أنت جنب؟
ثَُم نراه مَع عمرو بن ألعاص ايضا متفهما و رافعا للحرج؛
اذ حدثَ أن أحتلم عمرو بن ألعاص فِى ليلة بارده،
وخشى علَي نفْسه أن أغتسل أن يعتل،
فتيمم و صلي بالناس،
وكان بَعض ألصحابه شك فِى هَذا ألصنيع مِن عمرو،
فذهب الي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – يقول له:
ان عمرا صلي بنا و هو جنب
قال ألرسول:
يا عمرو،
صليت باصحابك و أنت جنب
فاخبره بالذى مَنعه مِن ألاغتسال،
لقد خشى علَي نفْسه مِن قسوه ألبرد،
والله يقول:
{ولا تقتلوا أنفسكم أن الله كَان بكم رحيما [النساء:
29]،
فضحك ألرسول و لم يقل شيئا .

ليسوا فرارا،
ولكنهم ألكرار – أن شاءَ الله عز و جل:
فِى ألسنه ألثامنة مِن ألهجره جمع ألروم جيشا،
واقبل مِن جهه ألشام لقتال ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و أصحابه،
بدا – صلي الله عَليه و سلم – يجهز جيشا لارساله أليهم،
فلم يزل يحثَ ألناس حتّي جمع ثَلاثه ألاف،
فزودهم بما و جد مِن سلاح و عتاد،
قال لهم:
اميركم زيد بن حارثه،
فان أصيب زيد فجعفر بن أبى طالب علَي ألناس،
فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحه،
ثم خرج معهم – صلي الله عَليه و سلم – يودعهم،
وخرج ألناس يودعون ألجيش و يقولون:
صحبكم ألله،
ودفع عنكم،
وردكم ألينا صالحين.
ثَُم مضي ألجيش حتّي نزلوا “معان” مِن أرض ألشام،
فبلغهم أن هرقل – ملك ألروم – قَد نزل مِن أرض ألبلقاءَ فِى مائه ألف مِن ألروم،
وانضم أليه مِن ألقبائل حوله مائه ألف،
فصار جيش ألروم مائتى ألف،
فلما تيقن ألمسلمون مِن ذلك،
اقاموا فِى “معان” ليلتين ينظرون فِى أمرهم،
فقال بَعضهم:
نكتب الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – نخبره بَعدَد عدونا،
فاما أن يمدنا بالرجال،
او يامرنا بما يشاء،
فنمضى له،
وكثر كلام ألناس فِى ذلك،
فقام عبد الله بن رواحه،
ثم صاح بالناس،
وقال:
يا قوم،
والله أن ألَّتِى تكرهون،
هى ألَّتِى خرجتم تطلبون،
الشهاده فِى سبيل ألله،
تفرون مِنها،
وما نقاتل ألناس بَعدَد و لا قوه و لا كثره،
ما نقاتلهم ألا بهَذا ألدين ألَّذِى أكرمنا الله به،
فانطلقوا فإنما هِى أحدي ألحسنيين:
اما ظهور،
واما شهاده،
فمضي ألناس يسيرون،
حتي إذا دنوا مِن جيش ألروم فِى موقعه:
“مؤته”،
فاذا أعداد عظيمه لا قَبل لاحد بها.
قال أبو هريره – رضى الله عنه
شهدت يوم “مؤته”،
فلما دنا منا ألمشركون،
راينا ما لا قَبل لاحد بِه مِن ألعده و ألسلاح،
والكراع،
والديباج،
والحرير،
والذهب،
فبرق بصري،
فقال لِى ثَابت بن أرقم:
يا أبا هريره،
كانك تري جموعا كثِيرة
قلت:
نعم،
قال:
انك لَم تشهد بدرا معنا،
انا لَم ننصر بالكثره،
ثم ألتقي ألناس،
فاقتتلوا،
فقاتل زيد بن حارثه برايه رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – حتّي كثرت عَليه ألرماح،
وسقط صريعا شهيدا،
فاخذ ألرايه جعفر – بِكُل بطوله – فاقتحم عَن فرس لَه شقراء،
فجعل يقاتل ألقوم.
أخذ جعفر أللواءَ بيمينه فقطعت،
فاخذ أللواءَ بشماله فقطعت،
فاحتضنه بَعضديه حتّي قتل – و هو أبن ثَلاثَ و ثَلاثين سنه – قال أبن عمر:
وقفت علَي جعفر يومئذ و هو قتيل،
فعددت بِه خمسين:
بين طعنه،
وضربه،
ليس مِنها شيء فِى دبره،
فاثابه الله بذلِك جناحين فِى ألجنه يطير بهما حيثُ يشاء.
أن رجلا مِن ألروم ضربه يومئذ ضربه فقطعته نصفين،
فلما قتل جعفر،
اخذ عبد الله بن رواحه ألرايه،
ثم تقدم بها و هو علَي فرسه،
فجعل يستنزل نفْسه،
ويتردد بَعض ألتردد،
ويقول:
أقسمت يا نفْس لتنزلنه = طائعه او لتكرهنه
أن أجلب ألناس و شدوا ألرنه =  ما لِى أراك تكرهين ألجنه
ثَُم قال:
يا نفْس ألا تقتلى تموتي  =  هَذا حمام ألموت قَد صليت
و ما تمنيت فقد أعطيت  =  أن تفعلى فعلهما هديت
ثَُم نزل،
فلما نزل أتاه أبن عم لَه بعرق مِن لحم،
شد بهَذا صلبك؛
فانك قَد لقيت فِى أيامك هَذه ما لقيت،
فاخذه مِن يده،
فانتهش مِنه نهشه،
ثم سمع ألحطمه فِى ناحيه ألناس،
فقال:
وانت فِى ألدنيا
فالقاه مِن يده،
ثم أخذ سيفه ثَُم تقدم،
فقاتل حتّي قتل – رضى الله عنه – فَوقعت ألرايه،
واضطرب ألمسلمون،
وابتهج ألكافرون و ألرايه تطؤها ألخيل و يعلوها ألغبار،
فاقبل ألبطل ثَابت بن أرقم،
ثم رفعها،
وصاح:
يا معاشر ألمسلمين،
هَذه ألرايه فاصطلحوا علَي رجل منكم،
فتصايح مِن سمعه و قالوا:
انت،
انت،
قال:
ما انا بفاعل،
فاشاروا الي خالد بن ألوليد،
فلما أخذ ألرايه،
قاتل بقوه،
حتي انه كَان يقول:
لقد أندق فِى يدى يوم مؤته تسعه أسياف،
فما بقى فِى يدى ألا صفيحه يمانيه ثَُم أنحاز خالد بالجيش،
وانحاز ألروم الي معسكرهم.
خشى خالد أن يرجع بالجيش الي ألمدينه مِن ليلته،
فيتبعهم ألروم،
فلما أصبحوا غَير خالد مواقع ألجيش،
فجعل مقدمه ألجيش فِى ألمؤخره،
وجعل مؤخره ألجيش مقدمه،
ومن كَانوا يقاتلون فِى يمين ألجيش أمرهم بالانتقال الي يساره،
وامر مِن فِى ألميسره أن يذهبوا للميمنه،
فلما أبتدا ألقتال و أقبل ألروم،
فاذا كُل سريه مِنهم تري رايات جديدة و وجوها جديده،
فاضطرب ألروم و قالوا:
قد جاءهم فِى ألليل مدد،
فرعبوا فِى ألقتال،
فقتل ألمسلمون مِنهم مقتله عظيمه،
ولم يقتل مِن ألمسلمين ألا أثنا عشر رجلا،
وانسحب خالد بالجيش آخر ألنهار مِن ساحه ألقتال،
ثم و أصل مسيره نحو ألمدينه،
فلما أقبلوا الي ألمدينه،
لقيهم ألصبيان يتراكضون أليهم،
ولقيتهم ألنساء،
فجعلوا يحثون ألتراب فِى و جوه ألجيش،
ويقولون
يا فرار،
فررتم فِى سبيل ألله،
فلما سمع ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – ذلك،
علم انهم لَم يكن امامهم ألا ذلك،
وانهم فعلوا ما بوسعهم،
فقال – صلي الله عَليه و سلم – مدافعا عنهم:
((ليسوا بالفرار،
ولكنهم ألكرار – أن شاءَ الله عز و جل)).
نعم،
انتهي ألامر،
وهم أبطال ما قصروا،
لكنهم بشر،
والامر كَان فَوق طاقتهم .

ألفصل ألرابع
ألتعامل مَع ألمتربصين
لا يزال صراع ألحق و ألباطل قائما الي يوم ألدين،
ولا يزال ألَّذِين يتمنون ألقضاءَ علَي هَذا ألدين يتمنون فرصه للنيل مِنه و ألقضاءَ عَليه،
ولم يخل عهد رسول الله مِن هؤلاء،
بعضهم يدفعه ألجهل،
والبعض ألاخر يدفعه حقد مقيت و بغض للحق و أهله،
فكيف تعامل رسول ألانسانيه مَع هؤلاءَ ألمتربصين بِه و بدين ألله،
يبغون فتنه فِى ألارض و أفسادا؟
ها هِى أحدي ألمواقف نري فيه حسن تعامل ألقائد و ألداعيه مَع ألمتربص بِه يُريد قتله.
مِن يمنعك مني؟
فِى أحدي ألغزوات و في طريق ألعوده الي ألمدينه،
نزل ألجيش ألاسلامى – حين أدركته ألقائله – فِى و أد كثِير ألعضاه – و هو نبات شوكى – فنزل رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و تفرق ألناس فِى ألعضاه يستظلون بالشجر،
ونزل رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – تَحْت سمره،
فعلق بها سيفه.
قال جابر:
فنمنا نومه،
ثم إذا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يدعونا فجئناه،
فاذا عنده أعرابى جالس،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((ان هَذا أخترط سيفي و أنا نائم،
فاستيقظت و هو فِى يده صلتا،
فقال لي:
من يمنعك منى
قلت:
الله،
فسقط ألسيف مِن يده،
فها هُو ذا جالس))،
ولم يعاقبه رسول الله – صلي الله عَليه و سلم .

و عفا ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – عَن هَذا ألاعرابي،
فخلق ألعفو سجيه طبعيه فِى تلك ألنفس ألزكيه؛
{وانك لعلي خلق عظيم [القلم:
4]،
{وما أرسلناك ألا رحمه للعالمين [الانبياء:
107] .

ماذَا كنت تحدثَ بِه نفْسك؟
أراد فضاله بن عمير بن ألملوح ألليثى قتل ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و هو يطوف بالبيت عام ألفتح،
فلما دنا مِنه،
قال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((افضاله؟))،
قال:
نعم،
فضاله يا رسول ألله،
قال:
((ماذَا كنت تحدثَ بِه نفْسك))،
قال:
لا شيء،
كنت أذكر ألله،
قال:
فضحك ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – ثَُم قال:
((استغفر ألله))،
ثم و َضع يده علَي صدره،
فسكن قلبه،
فكان فضاله يقول:
والله ما رفع يده عَن صدرى حتّي ما مِن خلق الله شيء أحب الي مِنه.
رحله ألطائف:
لما مات أبو طالب،
ضيقت قريش كثِيرا علَي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فِى مكه،
ونالت مِن ألاذي ما لَم تكُن نالته مِنه فِى حيآة عمه أبى طالب،
فجعل – صلي الله عَليه و سلم – يفكر فِى مكان آخر يلجا أليه يجد فيه ألنصره و ألتاييد،
فخرج الي ألطائف يلتمس مِن قبيله ثَقيف ألنصره و ألمنعه،
دخل ألطائف فتوجه الي ثَلاثه رجال هُم ساده ثَقيف و أشرافهم،
وهم أخوه ثَلاثه:
عبدياليل بن عمرو،
واخوه مسعود،
وحبيب،
جلس أليهم،
ودعاهم الي ألله،
وكلمهم لما جاءهم له:
من نصرته علَي ألاسلام،
والقيام معه علَي مِن خالفه مِن قومه،
وكان ردهم بذيئا!!
أما أحدهم،
فقال:
انا أمرط ثَياب ألكعبه أن كَان الله أرسلك!
و قال ألاخر:
اما و جد الله أحدا يرسله غَيرك؟!
و جعل ألثالثَ يبحثَ متحذلقا عَن عبارة يرد بها،
وحرص علَي أن تَكون أبلغ مِن كلام صاحبيه،
فقال:
والله لا أرد عليك أبدا،
لئن كنت رسولا مِن الله – كَما تقول – لانت أعظم خطرا مِن أن أرد عليك ألكلام،
ولئن كنت تكذب علَي ألله،
فما ينبغى لِى أن أكلمك.
فقام – صلي الله عَليه و سلم – مِن عندهم و قد يئس مِن خير ثَقيف،
وخشى أن تعلم قريش انهم ردوه،
فيزدادوا أيذاءَ له،
فقال لهم:
ان فعلتم ما فعلتم،
فاكتموا علي،
فلم يفعلوا،
بل أغروا بِه سفهاءهم و عبيدهم،
فجعلوا يركضون و راءَ رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يسبونه و يصيحون بِه و قد أصطفوا صفين و هو يسرع ألخطي بينهم،
وكلما رفع رجلا رضخوها بالحجاره،
وهو – صلي الله عَليه و سلم – يحاول أن يسرع فِى خطاه؛
ليتقى ما يرمونه بِه مِن حجاره،
وجعلت قدماه ألشريفتان تسيلان بالدماءَ و هو ألكهل ألَّذِى جاوز ألاربعين،
فابعد عنهم و مشى حتّي جلس فِى موضع أمن يستريح تَحْت ظل نخله،
وهو منشغل ألبال:
كيف ستستقبله قريش
كيف سيدخل مكه
فرفع طرفه الي ألسماء،
وقال:
اللهم أليك أشكو ضعف قوتي،
وقله حيلتي،
وهوانى علَي ألناس،
يا أرحم ألراحمين،
انت رب ألمستضعفين،
وانت ربي،
الي مِن تكلنى
الي بعيد يتجهمنى أم الي عدو ملكته أمري؟!
أن لَم يكن بك غضب علي،
فلا أبالي،
ولكن عافيتك هِى أوسع لي،
اعوذ بنور و جهك ألَّذِى أشرقت لَه ألظلمات،
وصلح عَليه أمر ألدنيا و ألاخره،
من أن ينزل بى غضبك،
او يحل على سخطك،
لك ألعتبي حتّي ترضى،
ولا حَول و لا قوه ألا بك،
فبينما هُو كذلك،
فاذا بسحابه تظله،
واذا فيها جبريل – عَليه ألسلام – فناداه:
يا محمد،
ان الله قَد سمع قول قومك لك،
وما ردوا عليك،
وقد بعثَ لك ملك ألجبال لتامَره بما شئت فيهم،
وقبل أن ينطق – صلي الله عَليه و سلم – بِكُلمه،
ناداه ملك ألجبال:
السلام عليك يا رسول ألله،
يا محمد،
ان الله قَد سمع قول قومك لك،
وانا ملك ألجبال،
قد بعثنى أليك ربك لتامرنى ما شئت،
ثم قَبل أن ينطق – صلي الله عَليه و سلم – او يختار جعل ملك ألجبال يعرض عَليه،
ويقول:
ان شئت تطبق عَليهم ألاخشبين،
وجعل ملك ألجبال ينتظر ألامر،
اذا بِه – صلي الله عَليه و سلم – يطا علَي حظوظ ألنفس و شهوة ألانتقام،
ويقول:
(بل أستانى بهم؛
فانى أرجو أن يخرج الله مِن أصلابهم مِن يعبدالله لا يشرك بِه شيئا))  .

ألفصل ألخامس
ألتعامل مَع ألاخطاء
لَم يكن ألمجتمع ألمسلم مجتمعا ملائكيا،
وإنما كَان مجتمعا قرانيا،
يعلمه رسول الله و يربيه علَي ألمنهج ألقرانى ألفريد.
و قد كَانت تحدثَ مِنه ألاخطاء:
صغيرها،
وكبيرها،
فكان ألرسول – صلي الله عَليه و سلم – يتعامل مَع كُل موقف،
ومع كُل خطا بما يناسبه،
فليست كُل ألاخطاءَ سواء،
وبالتالى لا يَكون ألعلاج و أحدا.
أراد ألنبى ألكريم أن يضع لنا مِنهجا نسترشد بِه فِى ألتعامل مَع ألاخطاءَ ألَّتِى يقُوم بها أفراد ألمجتمع،
فعلمنا كَيف نعلم ألناس،
متي نعفو عنهم،
ومتي نعاقبهم،
متي نتغافل،
ومتي نتوقف و نصحح،
كَما علمنا أن نستوثق مِن و قوع ألخطا أولا؛
حتي لا نرمى ألناس بالظنون،
فنحسن ألظن بهم،
ثم نقدم ألنصح و ألتوجيه ألمناسب لكُل حاله.
و لنذكر هُنا نوعين مِن ألاخطاءَ تعامل معهما رسول الله و علمنا كَيف يَكون ألعلاج معهما:
ألاخطاءَ ألفرديه ألَّتِى لا تؤثر ألا علَي ألمخطئ:
و قد كَان نهجه فيها – صلي الله عَليه و سلم – ألرفق و ألحلم،
والعفو عمن أخطا عَن جهل او عَن سوء فهم:
مِنها ذلِك ألموقف ألَّذِى حدثَ مَع ألاعرابى ألَّذِى بال فِى ألمسجد جاهلا انه بيت ألله،
وانه مكان عباده و صلاه!
جلس رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يوما فِى مجلسه ألمبارك يحدثَ أصحابه،
فبينما هُم علَي ذلك،
فاذا برجل يدخل الي ألمسجد،
يلتفت يمينا و يسارا،
فبدل أن ياتى و يجلس فِى حلقه ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – توجه الي زاويه مِن زوايا ألمسجد،
ثم جعل يحرك أزاره
عجبا:
ماذَا سيفعل
رفع طرف أزاره مِن ألامام،
ثم جلس بِكُل هدوء يبول،
عجب ألصحابه و ثَاروا:
يبول فِى ألمسجد؟!
و جعلوا يتقافزون ليتوجهوا أليه و ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – يهدئهم و يسكن غضبهم،
ويردد:
لا تزرموه،
لا تعجلوا عَليه،
لا تقطعوا عَليه بوله.
و ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – يري هَذا ألمنظر،
بول فِى ألمسجد و يهدئ أصحابه!
حتّي إذا أنتهي ألاعرابى مِن بوله،
وقام يشد علَي و سَطه أزاره،
دعاه ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – بِكُل رفق،
اقبل يمشى حتّي إذا و قف بَين يديه،
قال لَه بِكُل رفق:
ان هَذه ألمساجد لَم تبن لهذا،
إنما بنيت للصلاه و قراءه ألقران،
ففهم ألرجل ذلِك و مضى،
فلما جاءَ و قْت ألصلاه،
اقبل ذاك ألاعرابى و صلي معهم،
كبر ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – باصحابه مصليا،
فقرا ثَُم ركع،
فلما رفع – صلي الله عَليه و سلم – مِن ركوعه،
قال:
سمع الله لمن حمده،
فقال ألمامومون:
ربنا و لك ألحمد،
الا هَذا ألرجل قالها،
وزاد بَعدها:
اللهم أرحمنى و محمدا،
ولا ترحم معنا أحدا!
و سمعه ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فلما أنتهت ألصلاه،
التفت – صلي الله عَليه و سلم – أليهم و سالهم عَن ألقائل،
فاشاروا أليه،
فناداه ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فلما و قف بَين يديه،
فاذا هُو ألاعرابى نفْسه،
وقد تمكن حب ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – مِن قلبه،
حتي و د لَو أن ألرحمه تصيبهما دون غَيرهما،
فقال لَه – صلي الله عَليه و سلم – معلما:
لقد حجرت و أسعا؛
اي:
ان رحمه الله تعالي تسعنا جميعا و تسع ألناس،
فلا تضيقها على و عليك.
فانظر كَيف ملك عَليه قلبه؛
لانه عرف كَيف يتصرف معه،
فَهو أعرابى أقبل مِن باديته،
لم يبلغ مِن ألعلم رتبه أبى بكر و عمر،
ولا معاذ و عمار،
فلا يؤاخذ كغيره .

و هَذا معاويه بن ألحكم ألسلمي،
اتي ألمدينه يسال ألرسول عَن خاصة أموره و يتعلم مِنه،
فيحدثَ معه ذلِك ألموقف ألَّذِى يرويه:
قلت لرسول الله – صلي الله عَليه و سلم
انى حديثَ عهد بجاهليه،
فجاءَ الله بالاسلام،
وان رجالا منا يتطيرون،
قال:
ذلِك يجدونه فِى صدورهم،
فلا يصدنهم،
قال:
يا رسول ألله،
ورجال منا ياتون ألكهنه
قال:
فلا ياتوهم،
قال:
يا رسول ألله،
ورجال منا يخطون
قال:
كان نبى مِن ألانبياءَ يخط،
فمن و أفق خطه،
فذاك،
قال:
وبينا انا مَع رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فِى ألصلاة أذ عطس رجل مِن ألقوم؛
فقلت:
يرحمك ألله،
فحدقنى ألقوم بابصارهم،
قال:
فقلت:
واثكل أمياه
ما لكُم تنظرون ألي،
فضرب ألقوم بايديهم علَي أفخاذهم،
فلما رايتهم يسكتوني،
لكنى سكت،
فلما أنصرف رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – دعاني،
فبابى هُو و أمى ما رايت معلما قَبله و لا بَعده أحسن تعليما مِنه،
والله ما ضربنى و لا كهرنى و لا سبني،
فقال:
ان صلاتنا هَذه لا يصلح فيها شيء مِن كلام ألناس،
وإنما هِى ألتسبيح و ألتكبير و تلاوه ألقران .

هَذا تعامله مَع أعرابى بال فِى ألمسجد،
ورجل تكلم فِى ألصلاه،
عاملهم مراعيا أحوالهم؛
لان ألخطا مِن مِثلهم لا يستغرب.
أخطاءَ تؤثر فِى ألجميع:
تلك كَانت أخطاءَ لا خوف مِنها علَي ألمجتمع،
فعلم رسول الله أصحابها و أرشدهم الي ألصواب فِى رفق و حلم،
لكن هُناك فِى ألمجتمع نوع آخر مِن ألاخطاءَ لا يُمكن ألسكوت عنه و لا ألتغاضى عَن أصحابه؛
لان لَها أثرها ألكبير فِى ألمجتمع،
“وذلِك كَان يحدثَ خطا شرعى مِن أشخاص لَهُم حيثيه خاصه،
او تجاوز ألخطا حدود ألفرديه و ألجزئيه،
واخذ يمثل بِداية فتنه او أنحراف عَن ألمنهج،
علي أن هَذا ألغضب يَكون غضبا توجيهيا،
من غَير أسفاف و لا أسراف،
بل علَي قدر ألحاجه” .

أمتهوكون فيها يا أبن ألخطاب؟
و لقد غضب رسول الله مِن عمر بن ألخطاب – ألمبشر بالجنه – و لم يتساهل معه عندما شعر بخطر يُمكن أن يهدد ألدين و ثَباته فِى قلوب أصحابه،
وذلِك حين أتاه عمر و معه نسخه مِن ألتوراه،
ليقراها عَليه – صلي الله عَليه و سلم – فها هُو جابر – رضى الله عنه – يروى لنا ذلِك ألموقف:
أتي عمر بن ألخطاب ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – بكتاب أصابة مِن بَعض أهل ألكتاب،
فقراه علَي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – قال:
فغضب و قال:
((امتهوكون فيها يا أبن ألخطاب
والذى نفْسى بيده،
لقد جئتكم بها بيضاءَ نقيه،
لا تسالوهم عَن شيء،
فيخبروكم بحق،
فتكذبوا به،
او بباطل،
فتصدقوا به،
والذى نفْسى بيده،
لو أن موسي كَان حيا،
ما و سعه ألا أن يتبعني))  .

كلمه و أضحه لا تَحْتمل تاويلا،
أنها مرحلة لا زال ألقران يتنزل فيها،
وان ألرسول – صلي الله عَليه و سلم – حريص علَي ألا يدخل ألشك او ألخلط قلوب أتباعه،
فكان ألنهى ألصريح ألواضح.
أفتان انت يا معاذ؟!
ثَُم تراه – صلي الله عَليه و سلم – يغضب مِن تطويل بَعض أصحابه ألصلاه،
وهم أئمه بَعد أن كَان – صلي الله عَليه و سلم – نهي عَن ذلك؛
لما فيه مِن تعسير و مشقه،
ولما يؤدى أليه مِن فتنه لبعض ألضعفاءَ و ألمعذورين و ذوى ألاشغال،
يوجه صحابته الي تصحيح هَذا ألخطا؛
لانه قَد ينفر ألناس عَن ألدين،
ويبعدهم عنه.
يروى لنا أبو مسعود ألانصارى – رضى الله عنه – قال:
قال رجل:
يا رسول ألله،
لا أكاد أدرك ألصلاة مما يطول بنا فلان،
فما رايت ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فِى موعظه أشد غضبا مِن يومئذ،
فقال:
((ايها ألناس،
انكم منفرون،
فمن صلي بالناس فليخفف؛
فان فيهم ألمريض و ألضعيف و ذا ألحاجه) .

و ها هُو يقول ألشيء نفْسه لمعاذ – رضى الله عنه – فقد كَان معاذ بن جبل مِن أقرب ألصحابه الي رسول ألله،
ومن اكثرهم حرصا علَي طلب ألعلم،
فكان تعامل ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – مَع أخطائه مختلفا عَن تعامله مَع أخطاءَ غَيره.
كَان معاذ يصلى مَع رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – ألعشاء،
ثم يرجع فيصلى بقومه ألعشاءَ اماما بهم فِى مسجدهم،
فتَكون ألصلاة لَه نافله و لهم فريضه،
رجع معاذ ذَات ليلة لقومه و دخل مسجدهم،
فكبر مصليا بهم،
اقبل فتي مِن قومه و دخل معه فِى ألصلاه،
فلما أتم معاذ ألفاتحه،
قال و لا ألضالين}،
فقالوا:
{امين}،
ثم أفتتح معاذ سورة ألبقره،
كان ألناس فِى تلك ألايام يتعبون فِى ألعمل فِى مزارعهم و رعيهم دوابهم طوال ألنهار،
ثم لا يكادون يصلون ألعشاءَ حتّي ياووا الي فرشهم،
وقف هَذا ألشاب فِى ألصلاة و معاذ يقرا و يقرا،
فلما طالت ألصلاة علَي ألفتى،
اتم صلاته و حده،
وخرج مِن ألمسجد و أنطلق الي بيته،
انتهي معاذ مِن ألصلاه،
فقال لَه بَعض ألقوم:
يا معاذ،
فلان دخل معنا فِى ألصلاه،
ثم خرج مِنها لما أطلت،
فغضب معاذ،
وقال:
ان هَذا بِه لنفاق،
لاخبرن رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بالذى صنع،
فابلغوا ذلِك ألشاب بِكُلام معاذ،
فقال ألفتى:
وانا لاخبرن رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بالذى صنع،
فغدوا علَي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فاخبره معاذ بالذى صنع ألفتى،
فقال ألفتى:
يا رسول ألله،
يطيل ألمكثَ عندك،
ثم يرجع فيطيل علينا ألصلاه،
والله يا رسول ألله،
انا لنتاخر عَن صلاه ألعشاءَ مما يطول بنا معاذ،
فسال الله ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – معاذا:
ماذَا تقرا؟!
فاذا بمعاذ يخبره انه يقرا بالبقره،
وجعل يعدَد ألسور ألطوال،
فغضب ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – لما علم أن ألناس يتاخرون عَن ألصلاة بسَبب ألاطاله،
وكيف صارت ألصلاة ثَقيله عَليهم،
فالتفت الي معاذ و قال:
((افتان انت يا معاذ
يَعنى تُريد أن تفتن ألناس و تبغضهم فِى دينهم،
اقرا ب و ألسماءَ و ألطارق [الطارق:
1]،
{والسماءَ ذَات ألبروج [البروج:
1]،
{والشمس و ضحاها [الشمس:
1]،
{والليل إذا يغشي [الليل:
1] .

و قد غضب ألرسول – صلي الله عَليه و سلم – ايضا مِن أختصام ألصحابه و تجادلهم فِى ألقدر،
فعن عبد الله بن عمرو بن ألعاص – رضى الله عنهما – قال:
خرج رسول الله علَي أصحابه،
وهم يختصمون فِى ألقدر،
فكإنما يفقا فِى و جهه حب ألرمان مِن ألغضب،
فقال:
((بهَذا أمرتم
او لهَذا خلقتم
تضربون ألقران بَعضه ببعض
بهَذا هلكت ألامم قَبلكم) .

أتكلمنى فِى حد مِن حدود ألله؟
أما ذلِك ألخطا،
فَهو أكبر مِن أن يتهاون فيه،
او يسكت عنه؛
انه يتعلق بحد مِن حدود ألله!
قال عروه بن ألزبير:
ان أمراه سرقت فِى عهد رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فِى غزوه ألفتح،
ففزع قومها الي أسامه بن زيد يستشفعونه،
قال عروه:
فلما كلمه أسامه فيها،
تلون و جه رسول ألله،
فلما كَان ألعشي،
قام رسول الله خطيبا،
فاثني علَي الله بما هُو أهله،
ثم قال:
((اما بَعد،
فإنما أهلك ألناس قَبلكُم انهم كَانوا إذا سرق فيهم ألشريف تركوه،
واذا سرق فيهم ألضعيف،
اقاموا عَليه ألحد،
والذى نفْس محمد بيده،
لو أن فاطمه بنت محمد سرقت،
لقطعت يدها) ،

ثم أمر رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بتلك ألمراه،
فقطعت يدها.
فحسنت توبتها بَعد ذلِك و تزوجت،
قالت عائشه:
فكَانت تاتينى بَعد ذلك،
فارفع حاجتها الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم.
و هكذا يَكون ألبناءَ ألتربوى للامه،
حين نري ألعدل فِى أقامه شرع الله علَي ألقريب و ألبعيد علَي حد سواء،
فالناس هُنا امام تشريع ربانى لا يفرق بَين ألناس،
فهم كلهم امام رب ألعالمين سواء،
واصبحت معايير ألشرف هِى ألالتزام باوامر الله تعالى،
وفي هَذا ألموقف ألَّذِى أثار غضب رسول الله ألشديد و أهتمامه ألكبير – عبره للمسلمين؛
حتي لا يتهاونوا فِى تنفيذ أحكام الله تعالى،
او يشفعوا لدي ألحاكم،
من أجل تعطيل ألحدود ألاسلامية .

هلا شققت عَن قلبه؟
و ها هُو موقف آخر يحدثَ مَع أسامه بن زيد،
وهو ألحب بن ألحب:
بعثَ ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – أصحابه الي ألحرقات مِن قبيله جهينه،
وكان أسامه بن زيد مِن ضمن ألمقاتلين بالجيش،
ابتدا ألقتال فِى ألصباح،
انتصر ألمسلمون و هرب مقاتلو ألعدو،
كان مِن بَين جيش ألعدو رجل يقاتل،
فلما راي أصحابه مِنهزمين،
القي سلاحه و هرب،
فلحقه أسامه و معه رجل مِن ألانصار،
ركض ألرجل و ركضوا خَلفه و هو يشتد فزعا،
حتي عرضت لَهُم شجره،
فاحتمي ألرجل بها،
فاحاط بِه أسامه و ألانصاري،
ورفعا عَليه ألسيف،
فلما راي ألرجل ألسيفين يلتمعان فَوق راسه،
واحس ألموت يهجم عَليه،
انتفض و جعل يجمع ما تبقي مِن ريقه فِى فمه،
ويردد فزعا:
اشهد أن لا أله ألا ألله،
واشهد أن محمدا عبده و رسوله،
تحير ألانصارى و أسامه:
هل أسلم ألرجل فعلا أم انها حيله أفتعلها؟
كَانوا فِى ساحه قتال و ألامور مضطربه،
يتلفتون حولهم،
فلا يرون ألا أجسادا ممزقه،
وايادى مقطعه،
قد أختلط بَعضها ببعض،
الدماءَ تسيل،
النفوس ترتجف،
الرجل بَين أيديهما ينظران أليه،
لا بد مِن ألاسراع باتخاذ ألقرار،
ففي اى لحظه قَد ياتى سهم طائش او غَير طائش،
فيرديهما قتيلين،
لم يكن هُناك مجال للتفكير ألهادئ،
فاما ألانصاري،
فكف سيفه،
واما أسامه،
فظن انها حيله،
فضربه بالسيف حتّي قتله،
عادوا الي ألمدينه تداعب قلوبهم نشوه ألانتصار.
و قف أسامه بَين يدى ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و حكي لَه قصة ألمعركه،
واخبره بخبر ألرجل و ما كَان مِنه،
كَانت قصة ألمعركه تحكى أنتصارا للمسلمين،
وكان – صلي الله عَليه و سلم – يستمع مبتهجا،
لكن أسامه قال:
ثم قتلته،
فتغير ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و قال:
((قال:
لا أله ألا ألله،
ثم قتلته؟!))،
قلت:
يا رسول ألله،
لم يقلها مِن قَبل نفْسه،
إنما قالها فرقا مِن ألسلاح،
فقال – صلي الله عَليه و سلم
((قال:
لا أله ألا ألله،
ثم قتلته
هلا شققت عَن قلبه؛
حتي تعلم انه إنما قالها فرقا مِن ألسلاح)).
و جعل – صلي الله عَليه و سلم – يحد بصره الي أسامه،
ويكرر:
((قال:
لا أله ألا الله ثَُم قتلته
قال:
لا أله ألا الله ثَُم قتلته
ثم قتلته
كيف لك بلا أله ألا الله إذا جاءت تحاجك يوم ألقيامه!)).
و ما زال – صلي الله عَليه و سلم – يكرر ذلِك علَي أسامه،
قال أسامه:
فما زال يكررها على حتّي و ددت أنى لَم أكن أسلمت ألا يومئذ .

ألفصل ألسادس
ألتعامل مَع ألقاده و ألرموز
كَان رسول الله يتعامل بفن مَع ألقاده،
فينزلهم منازلهم،
ويعرف لَهُم قدرهم؛
لذلِك كَانوا حين يتعاملون مَع رسول ألله،
يدركون عظمه ألنبوه فيه،
ويدخلون فِى هَذا ألدين ألعظيم ألَّذِى يعرف لكُل أنسان قدره و مكانته.
و لننظر فِى تلك ألمواقف ألعمليه؛
لنري كَيف تعامل ألرسول مَع بَعض ألقاده و ألزعماءَ فِى قومهم:
ما مِثل سهيل يجهل ألاسلام:
قال سهيل بن عمرو:
لما دخل رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – مكه و ظهر،
انقحمت بيتى و أغلقت على بابي،
وارسلت الي أبنى عبد الله بن سهيل أن أطلب لِى جوارا مِن محمد،
وانى لا أمن مِن أن أقتل،
وجعلت أتذكر أثرى عِند محمد و أصحابه،
فليس احد أسوا أثرا مني،
وانى لقيت رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يوم ألحديبيه بما لَم يلحقه أحد،
وكنت ألَّذِى كاتبته،
مع حضورى بدرا و أحدا،
وكلما تحركت قريش كنت فيها،
فذهب عبد الله بن سهيل الي رسول الله فقال:
يا رسول ألله،
تؤمنه
فقال:
((نعم))،
هو أمن بامان ألله،
فليظهر،
ثم قال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – لمن حوله:
((من لقى سهيل بن عمرو،
فلا يشد ألنظر أليه،
فليخرج،
فلعمرى أن سهيلا لَه عقل و شرف،
وما مِثل سهيل يجهل ألاسلام،
ولقد راي ما كَان يوضع فيه انه لَم يكن لَه بنافع))،
فخرج عبد الله الي أبيه،
فقال سهيل:
كان و الله برا،
صغيرا و كبيرا،
فكان سهيل يقبل و يدبر،
وخرج الي حنين مَع ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و هو علَي شركة حتّي أسلم بالجعرانه .

لقد كَان لهَذه ألكلمات ألتربويه ألاثر ألكبير علَي سهيل بن عمرو؛
حيثُ أثني علَي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بالبر طوال عمره،
ثم دخل فِى ألاسلام بَعد ذلك،
وقد حسن أسلامه،
وكان مكثرا مِن ألاعمال ألصالحه،
يقول ألزبير بن بكار:
كان سهيل بَعد كثِير ألصلاة و ألصوم و ألصدقه،
خرج بجماعته الي ألشام مجاهدا،
ويقال:
انه صام و تهجد؛
حتي شحب لونه و تغير،
وكان كثِير ألبكاءَ إذا سمع ألقران،
وكان أميرا علَي كردوس يوم أليرموك .

ياتيكم عكرمه مهاجرا مؤمنا،
فلا تسبوا أباه:
قال عبد الله بن ألزبير – رضى الله عنه
قالت أم حكيم أمراه عكرمه بن أبى جهل:
يا رسول ألله،
قد هرب عكرمه منك الي أليمن،
وخاف أن تقتله،
فامنه،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((هو أمن))،
فخرجت أم حكيم فِى طلبه و معها غلام لَها رومي،
فراودها عَن نفْسها،
فجعلت تمنيه حتّي قدمت علَي حى مِن عك،
فاستغاثتهم عَليه فاوثقوه رباطا،
وادركت عكرمه،
وقد أنتهي الي ساحل مِن سواحل تهامه،
فركب ألبحر،
فجعل نوتى ألسفينه يقول له:
اخلص،
فقال:
اى شيء أقول
قال:
قل لا أله ألا ألله،
قال عكرمه:
ما هربت ألا مِن هذا،
فجاءت أم حكيم علَي هَذا ألكلام،
فجعلت تلح عَليه،
وتقول:
يا أبن عم،
جئتك مِن عِند أوصل ألناس،
وابر ألناس،
وخير ألناس،
لا تهلك نفْسك،
فوقف لَها حتّي أدركته،
فقالت:
انى قَد أستامنت لك محمدا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – قال:
انت فعلت
قالت:
نعم،
انا كلمته فامنك،
فرجع معها،
وقال:
ما لقيت مِن غلامك ألرومى
فخبرته خبره،
فقتله عكرمه،
وهو يومئذ لَم يسلم،
فلما دنا مِن مكه،
قال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – لاصحابه:
((ياتيكم عكرمه بن أبى جهل مؤمنا مهاجرا،
فلا تسبوا أباه،
فان سب ألميت يؤذى ألحى و لا يبلغ ألميت)).
قال:
وجعل عكرمه يطلب أمراته يجامعها،
فتابي عَليه،
وتقول:
انك كافر و أنا مسلمه،
فيقول:
ان أمرا مَنعك منى لامر كبير،
فلما راي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – عكرمه و ثَب أليه و ما علَي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – رداءَ فرحا بعكرمه،
ثم جلس رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فَوقف بَين يديه،
وزوجته منتقبه،
فقال:
يا محمد،
ان هَذه أخبرتنى أنك أمنتني،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((صدقت،
فانت أمن))،
فقال عكرمه:
فالام تدعو يا محمد
قال:
((ادعوك الي أن تشهد أن لا أله ألا ألله،
وانى رسول ألله،
وان تقيم ألصلاة و تؤتى ألزكاه،
وتفعل و تفعل))،
حتي عد خصال ألاسلام،
فقال عكرمه:
والله ما دعوت ألا الي ألحق،
وامر حسن جميل،
قد كنت و الله فينا قَبل أن تدعو الي ما دعوت أليه و أنت أصدقنا حديثا،
وابرنا برا،
ثم قال عكرمه:
فانى أشهد أن لا أله ألا ألله،
واشهد أن محمدا عبده و رسوله،
فسر بذلِك رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – ثَُم قال:
يا رسول ألله،
علمنى خير شيء أقوله،
قال:
((تقول:
اشهد أن لا أله ألا ألله،
وان محمدا عبده و رسوله))،
قال عكرمه:
ثم ماذَا
قال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((تقول:
اشهد الله و أشهد مِن حضر أنى مسلم مهاجر و مجاهد))،
فقال عكرمه ذلك.
فقال رسول ألله:
((لا تسالنى أليَوم شيئا أعطيه أحدا،
الا أعطيتكه))،
فقال عكرمه:
فانى أسالك أن تستغفر لِى كُل عداوه عاديتكها،
او مسير و َضعت فيه،
او مقام لقيتك فيه،
او كلام قلته فِى و جهك،
او و أنت غائب عنه،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((اللهم أغفر لَه كُل عداوه عادانيها،
وكل مسير سار فيه الي موضع يُريد بذلِك ألمسير أطفاءَ نورك،
فاغفر لَه ما نال منى مِن عرض:
في و جهي،
او و أنا غائب عنه))،
فقال عكرمه:
رضيت يا رسول ألله،
لا أدع نفقه كنت أنفقها فِى صد عَن سبيل ألاسلام،
الا أنفقت ضعفها فِى سبيل ألله،
ولا قتالا كنت أقاتل فِى صد عَن سبيل ألله،
الا أبليت ضعفه فِى سبيل ألله،
ثم أجتهد فِى ألقتال حتّي قتل شهيدا.
و بعد أن أسلم رد رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – أمراته لَه بذلِك ألنكاح ألاول.
كَان سلوك ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فِى تعامله مَع عكرمه لطيفا حانيا،
يكفي و حده لاجتذابه الي ألاسلام،
فقد أعجل نفْسه عَن لبس ردائه،
وابتسم لَه و رحب به،
وفي روايه قال له:
((مرحبا بالراكب ألمهاجر))،
فتاثر عكرمه مِن ذلِك ألموقف،
فاهتزت مشاعره و تحركت أحاسيسه،
فاسلم،
كَما كَان لموقف أم حكيم بنت ألحارثَ بن هشام أثر فِى أسلام زوجها،
فقد أخذت لَه ألامان مِن رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و غامرت بنفسها تبحثَ عنه لعل الله يهديه الي ألاسلام كَما هداها أليه،
وعندما أرادها زوجها أمتنعت عنه،
وعللت ذلِك بانه كافر و هى مسلمه،
فعظم ألاسلام فِى عينه،
وادرك انه امام دين عظيم،
وهكذا خطت أم حكيم فِى فكر عكرمه بِداية ألتفكير فِى ألاسلام،
ثم توج باسلامة بَين يدى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و كان صادقا فِى أسلامه،
فلم يطلب مِن رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – دنيا،
وإنما ساله أن يغفر الله تعالي لَه كُل ما و قع فيه مِن ذنوب ماضيه،
ثم أقسم امام ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – بان يحمل نفْسه علَي ألانفاق فِى سبيل الله تعالي بضعف ما كَان ينفق فِى ألجاهليه،
وان يبلى فِى ألجهاد فِى سبيل الله بضعف ما كَان يبذله فِى ألجاهليه،
ولقد بر بوعده،
فكان مِن أشجع ألمجاهدين و ألقاده فِى سبيل ألله  تعالي فِى حروب ألرده،
ثم فِى فتوح ألشام،
حتي و قع شهيدا فِى معركه أليرموك،
بعد أن بذل نفْسه و ماله فِى سبيل الله .

ما عندك يا ثَمامه:
و هنا موقف يوضح لنا رفق ألرسول و حرصه علَي دعوه ألقاده و تاليف قلوبهم دون غلظه او أذلال،
وهنا نري كَيف كَان رد فعل ثَمامه بَعد أن عامله ألرسول – صلي الله عَليه و سلم – بالحسني و ألقول ألطيب:
كَانت اول حمله عسكريه و جهها ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – لتاديب خصومه بَعد غزوه ألاحزاب،
هى تلك ألحمله ألَّتِى جردها علَي ألقبائل ألنجديه مِن بنى بكر بن كلاب،
الذين كَانوا يقطنون ألقرطاءَ بناحيه ضربه،
علي مسافه سبع ليال مِن ألمدينه،
ففي أوائل شهر ألمحرم عام خمسه للهجره،
وبعد ألانتهاءَ مباشره مِن ألقضاءَ علَي يهود بنى قريظه،
وجه – صلي الله عَليه و سلم – سريه مِن ثَلاثين مِن أصحابه عَليهم محمد بن مسلمه لشن ألغاره علَي بنى ألقرطاءَ مِن قبيله بكر بن كلاب،
وذلِك فِى ألعاشر مِن محرم سنه 6ه،
وقد داهموهم علَي حين غره،
فقتلوا مِنهم عشره و فر ألباقون،
وغنم ألمسلمون أبلهم و ماشيتهم،
وفي طريق عودتهم أسروا ثَمامه بن أثال ألحنفي سيد بنى حنيفه،
وهم لا يعرفونه،
فقدموا بِه ألمدينه،
وربطوه بساريه مِن سوارى ألمسجد،
فخرج أليه ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فقال:
ماذَا عندك يا ثَمامه
فقال:
عندى خير يا محمد،
ان تقتلني،
تقتل ذا دم،
وان تنعم،
تنعم علَي شاكر،
وان كنت تُريد ألمال،
فسل مِنه ما شئت،
فتركه حتّي كَان ألغد،
فقال:
ما عندك يا ثَمامه
فقال:
عندى ما قلت لك،
ان تنعم،
تنعم علَي شاكر،
فتركه حتّي كَان بَعد ألغد،
فقال:
ما عندك يا ثَمامه
فقال عندى ما قلت لك،
فقال:
اطلقوا ثَمامه،
فانطلق الي نخل قريب مِن ألمسجد،
فاغتسل ثَُم دخل ألمسجد،
فقال:
اشهد أن لا أله ألا ألله،
واشهد أن محمدا رسول ألله،
يا محمد،
والله ما كَان علَي ألارض و جه أبغض الي مِن و جهك،
فقد أصبح و جهك أحب ألوجوه ألي،
والله ما كَان دين أبغض الي مِن دينك،
فاصبح دينك أحب ألدين ألي،
والله ما كَان بلد أبغض الي مِن بلدك،
فاصبحت بلدك أحب ألبلاد ألي،
وان خيلك أخذتنى و أنا أريد ألعمره،
فماذَا تري
فبشره رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و أمَره أن يعتمر،
فلما قدم مكه قال لَه قائل:
صبوت
قال:
لا و ألله،
ولكنى أسلمت مَع محمد رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و لا و ألله،
لا ياتيكم مِن أليمامه حبه حنطه؛
حتي ياذن فيها ألنبى – صلي الله عَليه و سلم .

و قد أبر بقسمه؛
مما دفع و جوه مكه الي أن يكتبوا الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يسالونه بارحامهم أن يكتب الي ثَمامه؛
ليخلى لَهُم حمل ألطعام،
فاستجاب ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – لرجاءَ قومه بالرغم انه فِى حالة حرب معهم،
وكتب الي سيد بنى حنيفه ثَمامه:
ان خل بَين قومى و بين ميرتهم،
فامتثل ثَمامه أمر نبيه،
وسمح لبنى حنيفه باستئناف أرسال ألمحاصيل الي مكه،
فارتفع عَن أهلها كابوس ألمجاعه .

يا عدى بن حاتم،
اسلم،
تسلم:
عندما و قعت أخت عدى بن حاتم فِى أسر ألمسلمين،
عاملها رسول الله معامله كريمه،
وبقيت معززه مكرمه،
ثم كساها ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و أعطاها ما تتبلغ بِه فِى سفرها،
وعندما و صلت الي أخيها فِى ألشام،
شجعته علَي ألذهاب لرسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فتاثر بنصيحتها و قدم علَي ألمدينه .

و نترك أبا عبيده بن حذيفه يحدثنا عَن قصة أسلام عدي:
قال أبو عبيده بن حذيفه:
كنت أحدثَ عَن عدى بن حاتم،
فقلت:
هَذا عدى فِى ناحيه ألكوفه،
فلو أتيته فكنت انا ألَّذِى أسمع مِنه،
فاتيته فقلت:
انى كنت أحدثَ عنك حديثا،
فاردت أن أكون انا ألَّذِى أسمعه منك،
قال:
لما بعثَ الله عز و جل ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فررت مِنه حتّي كنت فِى أقصي أرض ألمسلمين مما يلى ألروم،
قال:
فكرهت مكانى ألَّذِى انا فيه حتّي كنت أشد كراهيه لَه منى مِن حيثُ جئت،
قال:
قلت:
لاتين هَذا ألرجل،
فوالله أن كَان صادقا،
فلاسمعن مِنه،
وان كَان كاذبا،
ما هُو بضائري،
قال:
فاتيته و أستشرفنى ألناس،
وقالوا:
عدى بن حاتم،
عدى بن حاتم،
قال:
اظنه قال ثَلاثَ مرار،
قال:
فقال لي:
يا عدى بن حاتم،
اسلم،
تسلم،
قال:
قلت:
انى مِن أهل دين،
قال:
يا عدى بن حاتم،
اسلم،
تسلم،
قال:
قلت:
انى مِن أهل دين،
قالها ثَلاثا،
قال:
((انا أعلم بدينك منك))،
قال:
قلت:
انت أعلم بدينى منى
قال:
((نعم) قال:
((اليس تراس قومك؟) قال:
قلت:
بلى،
قال:
فذكر محمد ألركوسيه ،

قال كلمه ألتمسها يقيمها فتركها،
قال:
فانه لا يحل فِى دينك ألمرباع .

قال:
فلما قالها،
تواضعت لها،
قال:
((وانى قَد أري أن مما يمنعك خصاصه تراها ممن حولي،
وان ألناس علينا ألبا و أحدا،
هل تعرف مكان ألحيره؟) قال:
قلت:
قد سمعت بها و لم أتها،
قال:
((لتوشكن ألظعينه أن تخرج مِنها بغير جوار حتّي تطوف بالكعبه،
ولتوشكن كنوز كسري بن هرمز تفتح))،
قال:
قلت:
كسري بن هرمز
قال:
((كسري بن هرمز – ثَلاثَ مرات – و ليوشكن أن يبتغى مِن يقبل ماله مِنه صدقه،
فلا يجد))،
قال:
فلقد رايت أثنتين،
قد رايت ألظعينه تخرج مِن ألحيره بغير جوار حتّي تطوف بالكعبه،
وكنت فِى ألخيل ألَّتِى أغارت علَي ألمدائن،
وايم ألله،
لتكونن ألثالثه؛
انه لحديثَ رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – حدثنيه .

و في روايه جاءَ فيه:
فخرجت حتّي أقدم علَي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – ألمدينه،
فدخلت عَليه،
وهو فِى مسجده،
فسلمت عَليه،
فقال:
((من ألرجل؟))،
فقلت:
عدى بن حاتم،
فقام رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فانطلق بى الي بيته،
فوالله انه لعامد بى أليه،
اذ لقيته أمراه ضعيفه كبيره،
فاستوقفته،
فوقف لَها طويلا تكلمه فِى حاجتها،
قال:
قلت فِى نفْسي:
والله ما هَذا بملك،
قال:
ثم مضي بى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – حتّي إذا دخل بى بيته،
تناول و ساده مِن أدم محشوه ليفا،
فقذفها ألي،
فقال:
((اجلس علَي هذه))،
قال:
قلت:
بل انت فاجلس عَليها،
فقال:
((بل أنت))،
فجلست عَليها،
وجلس رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بالارض،
قال:
قلت فِى نفْسي:
والله ما هَذا بامر ملك .

كَان ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – موفقا فِى دعوته؛
حيثُ كَان خبيرا بادواءَ ألنفوس و دوائها،
ومواطن ألضعف فيها،
وازمه قيادها،
فكان يلائم كُل أنسان بما يلائم علمه و فكره،
وما ينسجم مَع مشاعره و أحاسيسه؛
ولذلِك أثر فِى زعماءَ ألقبائل،
ودخل ألناس فِى دين الله أفواجا .

باذان بن ساسان:
لما أسلم باذان بن ساسان و كان أميرا علَي أليمن،
لم يعزله رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بل أبقاه أميرا عَليها بَعد أسلامه،
حين راي فيه ألادارى ألناجح و ألحاكم ألمناسب؛
مما يدلل علَي أن ألرسول – صلي الله عَليه و سلم – يقدر ألكفاءات فِى ألرجال،
ويضع ألرجل ألمناسب فِى ألمكان ألمناسب،
ومن ألجدير بالذكر أن ألرسول – صلي الله عَليه و سلم – قَد و لي و لده شهرا أميرا علَي أليمن بَعد موته .

ألفصل ألسابع
ألتعامل مَع ألازمات
ها هُو مجتمع ألمدينه ألَّذِى و َضع لَه ألرسول و ألقائد ألعظيم دستورا،
فعلم ألناس كَيف يتعاملون مَع غَيرهم مِن أهل ألكتاب ألَّذِين يجاورونهم،
ومع ألمنافقين ألَّذِين يتربصون لهم،
تحدثَ فيه ايضا ألازمات و ألفتن،
ولقد أراد الله ذلِك لتَكون دروسا و أضحه لنا،
نسترشد بها و نستلهم مِنهج ألتعامل معها،
فلا نقف مكتوفي ألايدى عاجزين عَن ألفعل و ألحركه،
ولقد كَانت أشد تلك ألازمات تلك ألفتن ألَّتِى قامت و سعي لَها ألمنافقون،
يريدون أن تنهدم ألدوله و يقاتل ألمسلمون بَعضهم بَعضا.
فتنه ألاوس و ألخزرج:
فبينا ألمسلمون علَي ماءَ ألمريسيع،
وردت و أرده ألناس و مع عمر بن ألخطاب أجير لَه مِن بنى غفار،
يقال لَه جهجاه بن مسعود،
يقود فرسه،
فازدحم جهجاه و سنان بن و بر ألجهنى ألخزرجي،
فاقتتلا،
فصرخ ألجهني:
يا معشر ألانصار،
وصرخ جهجاه:
يا معشر ألمهاجرين؛
فغضب عبد الله بن أبى بن سلول،
وقال قولته:
اما و ألله:
{لئن رجعنا الي ألمدينه ليخرجن ألاعز مِنها ألاذل [المنافقون:
8]،
ثم أقبل علَي مِن حضره مِن قومه،
فقال لهم:
هَذا ما فعلتم بانفسكم،
احللتموهم بلادكم،
وقاسمتموهم أموالكم،
اما و ألله،
لو أمسكتم عنهم ما بايديكم،
لتحولوا الي غَير داركم،
فسمع ذلِك زيد بن أرقم،
فمشى بِه الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و ذلِك عِند فراغ رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – مِن عدوه،
فاخبره ألخبر،
وعنده عمر بن ألخطاب،
فقال:
مر بِه عباد بن بشر،
فليقتله،
فقال لَه رسول الله – صلي الله عَليه و سلم –

((فكيف يا عمر إذا تحدثَ ألناس أن محمدا يقتل أصحابه،
لا،
ولكن أذن بالرحيل))،
وذلِك فِى ساعة لَم يكن رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يرتحل فيها،
فارتحل ألناس.
و قد مشى عبد الله بن أبى بن سلول الي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – حين بلغه أن زيد بن أرقم قَد بلغه ما سمع مِنه،
فحلف بالله ما قلت ما قال،
ولا تكلمت به.
و كان فِى قومه شريفا عظيما،
فقال مِن حضر رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – مِن ألانصار مِن أصحابه:
يا رسول ألله،
عسي أن يَكون ألغلام قَد أوهم فِى حديثه،
ولم يحفظ ما قال ألرجل؛
حدبا علَي أبن أبى بن سلول،
ودفعا عنه.
و لما ألتقي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – باسيد بن حضير،
قال لَه رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((او ما بلغك ما قال صاحبكم؟))،
قال:
واى صاحب يا رسول الله
قال:
((عبد الله بن أبي))؛
قال:
وما قال
قال:
((زعم انه أن رجع الي ألمدينه،
ليخرجن ألاعز مِنها ألاذل))،
قال:
فانت يا رسول ألله،
والله تخرجه مِنها أن شئت،
هو و الله ألذليل و أنت ألعزيز،
ثم قال يا رسول ألله:
ارفق به،
فوالله لقد جاءنا الله بك،
وان قومه لينظمون لَه ألخرز ليتوجوه،
فانه ليري أنك قَد أستلبته ملكا.
ثَُم مشى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بالناس يومهم ذلِك حتّي أمسى،
وليلتهم حتّي أصبح،
وصدر يومهم ذلِك حتّي أذتهم ألشمس،
ثم نزل بالناس،
فلم يلبثوا أن و جدوا مس ألارض،
فوقعوا نياما،
وإنما فعل ذلِك رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – ليشغل ألناس عَن ألحديثَ ألَّذِى كَان بالامس مِن حديثَ عبد الله بن أبي،
وجاءَ عبد الله بن عبد الله بن أبى الي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فقال:
يا رسول ألله،
انه بلغنى أنك تُريد قتل عبد الله بن أبى فيما بلغك عنه،
فان كنت لا بد فاعلا،
فمرنى به،
فانا أحمل أليك راسه،
فوالله لقد علمت ألخزرج ما كَان لَها مِن رجل أبر بوالده مني،
وانى أخشي أن تامر بِه غَيرى فيقتله،
فلا تدعنى نفْسى أنظر الي قاتل عبد الله بن أبى يمشى فِى ألناس،
فاقتله فاقتل مؤمنا بكافر،
فادخل ألنار،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((بل نترفق به،
ونحسن صحبته ما بقى معنا))  .

و جعل بَعد ذلِك إذا أحدثَ ألحدث،
كان قومه هُم ألَّذِين يعاتبونه،
وياخذونه،
ويعنفونه،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – لعمر بن ألخطاب حين بلغه ذلِك مِن شانهم:
((كيف تري يا عمر
اما و الله لَو قتلته يوم قلت لي:
اقتله،
لارعدت لَه أنوف لَو أمرتها أليَوم بقتله،
لقتلته))،
قال عمر:
قد و الله علمت لامر رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – أعظم بركة مِن أمرى .

و هى قصة تظهر لك حكمه منقطعة ألنظير،
بعد نظر و صبر؛
فبحكمته – صلي الله عَليه و سلم – جني تعاطف عشيره أبن أبي،
وفي بَعد نظره رايت ما قال عمر،
وفي صبره رايت كَيف سكت حتّي تكلم ألقران،
ففضح عدو الله أبن أبي.
حديثَ ألافك:
و تلك فتنه اُخري أعترضت طريق ألمؤمنين؛
كى تعلمهم و تعلمنا دروسا فِى ألتعامل مَع ألازمات ألَّتِى تهدد سلامة ألمجتمع،
وتريد أن تفكك بنيانه،
وتمزق أوصاله:
و نترك أمنا ألطاهره عائشه – رضى الله عنها – تقص ألقصه،
فتقول:
1 كَان رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – إذا أراد سفرا أقرع بَين أزواجه،
فايهن خرج سهمها،
خرج بها رسول الله معه،
فاقرع بيننا فِى غزوه غزاها – هِى هَذه ألغزوه – فخرج فيها سهمي،
فخرجت مَع رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بَعد ما أنزل ألحجاب،
فكنت أحمل فِى هودجي،
وانزل فيه،
فسرنا.
2 حتّي إذا فرغ رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – مِن غزوته تلك،
وقفل،
دنونا مِن ألمدينه قافلين،
اذن ليلة بالرحيل،
فقمت – حين أذنوا بالرحيل – فمشيت حتّي جاوزت ألجيش،
فلما قضيت شاني،
اقبلت الي رحلي،
فلمست صدري،
فاذا عقد لِى مِن “جزع ظفار” قَد أنقطع،
فرجعت فالتمست عقدي،
فحبسنى أبتغاؤه،
واقبل ألرهط ألَّذِين كَانوا يرحلوني،
فاحتملوا هودجي،
فرحلوة علَي بعيرى ألَّذِى كنت أركب عَليه،
وهم يحسبون أنى فيه،
وكان ألنساءَ أذ ذاك خفافا لَم يهبلن،
ولم يغشهن أللحم،
إنما ياكلن ألعلقه مِن ألطعام،
فلم يستنكر ألقوم خفه ألهودج حين رفعوه و حملوه،
وكنت جاريه حديثه ألسن،
فبعثوا ألجمل فساروا،
ووجدت عقدى بَعد ما أستمر ألجيش،
فجئت منازلهم و ليس بها مِنهم داع و لا مجيب،
فتيممت منزلى ألَّذِى كنت به،
وظننت انهم سيفقدونني،
فيرجعون ألي.
3 فبينا انا جالسه فِى منزلي،
غلبتنى عينى فنمت،
وكان صفوان بن ألمعطل ألسلمى ثَُم ألذكواني،
من و راءَ ألجيش،
فاصبح عِند منزلي،
فراي سواد أنسان نائم،
فعرفنى حين راني،
وكان رانى قَبل ألحجاب،
فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني،
فخمرت و جهى بجلبابي،
ووالله ما تكلمنا بِكُلمه،
ولا سمعت مِنه كلمه غَير أسترجاعه،
وهوي حتّي أناخ راحلته،
فوطئ علَي يدها،
فقمت أليها فركبتها،
فانطلق يقود بى ألراحله حتّي أتينا ألجيش موغرين فِى نحر ألظهيره و هم نزول،
فهلك مِن هلك،
وكان ألَّذِى تولي كبر ألافك عبد الله بن أبى بن سلول.
4 فقدمنا ألمدينه،
فاشتكيت حين قدمت شهرا،
والناس يفيضون فِى قول أصحاب ألافك،
لا أشعر بشيء مِن ذلك،
وهو يريبنى فِى و جعى أنى لا أعرف مِن رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – أللطف ألَّذِى كنت أري مِنه حين أشتكي،
إنما يدخل على رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فيسلم،
ثم يقول:
((كيف تيكم،
ثم ينصرف،
فذلِك يريبنى و لا أشعر بالشر،
حتي خرجت حين نقهت،
فخرجت مَع أم مسطح قَبل ألمناصع و كان متبرزنا،
وكنا لا نخرج ألا ليلا الي ليل،
وذلِك قَبل أن نتخذ ألكنف قريبا مِن بيوتنا،
فانطلقت انا و أم مسطح – و هى أبنه أبى رهم بن ألمطلب بن عبد مناف،
وامها بنت صخر بن عامر خاله أبى بكر ألصديق،
وابنها مسطح بن أثاثه بن عباد بن ألمطلب – فاقبلت انا و أم مسطح قَبل بيتى حين فرغنا مِن شاننا،
فعثرت أم مسطح فِى مرطها،
فقالت:
تعس مسطح،
فقلت:
لها بئس ما قلت،
اتسبين رجلا شهد بدرا،
فقالت:
اى هنتاه
ولم تسمعى ما قال
قلت:
ما قال
فاخبرتنى بقول أهل ألافك،
فازددت مرضا علَي مرضي.
5 فلما رجعت الي بيتي،
دخل على رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فسلم،
ثم قال:
((كيف تيكم؟))،
فقلت له:
اتاذن لِى أن أتى أبوي،
فاذن لِى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فقلت:
لامى
يا أمتاه ماذَا يتحدثَ ألناس
قالت:
يا بنيه،
هونى عليك،
فوالله لقلما كَانت أمراه قط و ضيئه عِند رجل يحبها لَها ضرائر،
الا كثرن عَليها
فقلت:
سبحان الله
اوقد تحدثَ ألناس بهَذا
فبكيت تلك ألليلة حتّي أصبحت،
لا يرقا لِى دمع،
ولا أكتحل بنوم،
ثم أصبحت أبكي.
6 و دعا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – على بن أبى طالب و أسامه بن زيد حين أستلبثَ ألوحي،
يسالهما و يستشيرهما فِى فراق أهله،
فاما أسامه،
فاشار علَي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بالذى يعلم مِن براءه أهله،
وبالذى يعلم لَهُم فِى نفْسه،
فقال أسامه:
اهلك و لا نعلم ألا خيرا،
واما علي،
فقال:
يا رسول ألله،
لم يضيق الله عليك،
والنساءَ سواها كثِير،
وسل ألجاريه تصدقك،
فدعا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – بريره،
فقال:
اى بريره،
هل رايت مِن شيء يريبك
قالت لَه بريره:
والذى بعثك بالحق ما رايت عَليها أمرا قط أغمصه،
غير انها جاريه حديثه ألسن تنام عَن عجين أهلها،
فتاتى ألداجن فتاكله!
7 فقام رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – مِن يومه،
فاستعذر مِن عبد الله بن أبى – و هو علَي ألمنبر – فقال:
((يا معشر ألمسلمين،
من يعذرنى مِن رجل قَد بلغنى عنه أذاه فِى أهلي،
والله ما علمت علَي أهلى ألا خيرا،
ولقد ذكروا رجلا ما علمت عَليه ألا خيرا،
وما يدخل علَي أهلى ألا معي،
فقام سعد بن معاذ ألاوسي،
فقال:
انا يا رسول الله أعذرك،
فان كَان مِن ألاوس ضربت عنقه،
وان كَان مِن أخواننا مِن ألخزرج،
امرتنا ففعلنا أمرك،
فقام رجل مِن ألخزرج – و هو سعد بن عباده – و هو سيد ألخزرج،
وكان قَبل ذلِك رجلا صالحا،
ولكن أحتملته ألحميه،
فقال لسعد:
كذبت لعمر ألله،
لا تقتله و لا تقدر علَي قتله،
ولو كَان مِن رهطك ما أحببت أن يقتل،
فقام أسيد بن حضير و هو أبن عم سعد،
فقال لسعد بن عباده:
كذبت لعمر الله لنقتلنه؛
فانك منافق تجادل عَن ألمنافقين،
فثار ألحيان ألاوس و ألخزرج حتّي هموا أن يقتتلوا و رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – قائم علَي ألمنبر،
فلم يزل رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – يخفضهم حتّي سكتوا و سكت.
8 فبكيت يومى ذلِك كله،
لا يرقا لِى دمع،
ولا أكتحل بنوم،
واصبح أبواى عندي،
وقد بكيت ليلتين و يوما،
لا يرقا لِى دمع،
ولا أكتحل بنوم،
حتي أنى لاظن أن ألبكاءَ فالق كبدي،
فبينا أبواى جالسان عندى و أنا أبكي،
فاستاذنت على أمراه مِن ألانصار،
فاذنت لها،
فجلست تبكى معي،
فبينا نحن علَي ذلك،
دخل رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – علينا فسلم ثَُم جلس،
ولم يجلس عندى منذُ قيل ما قيل قَبلها،
وقد لبثَ شهرا لا يوحي أليه فِى شانى بشيء،
فتشهد رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – حين جلس،
ثم قال:
((اما بَعد يا عائشه،
انه بلغنى عنك كذا و كذا،
فان كنت بريئه،
فسيبرئك ألله،
وان كنت ألممت بذنب،
فاستغفرى الله و توبى أليه،
فان ألعبد إذا أعترف،
ثم تاب،
تاب الله عَليه))،
فلما قضي رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – مقالته،
قلص دمعي،
حتي ما أحس مِنه قطره،
فقلت لابي:
اجب رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – عنى فيما قال،
فقال أبي:
والله ما أدرى ما أقول لرسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فقلت لامي:
اجيبى رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فيما قال،
قالت أمي:
والله ما أدرى ما أقول لرسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فقلت – و أنا جاريه حديثه ألسن،
لا أقرا مِن ألقران كثِيرا
انى و الله قَد عرفت أنكم قَد سمعتم بذاك،
حتي أستقر فِى أنفسكم و صدقتم به،
فلئن قلت لكم:
انى بريئه لا تصدقوني،
ولئن أعترفت لكُم بامر – و الله يعلم أنى مِنه بريئه – لتصدقوني،
فوالله،
لا أجد لِى و لكُم مِثلا ألا أبا يوسف حين قال:
{فصبر جميل و الله ألمستعان علَي ما تصفون [يوسف:
18]،
ثم تحولت،
واضطجعت علَي فراشي.
9 و الله يعلم أنى حينئذ بريئه،
وان الله مبرئى ببراءتي،
ولكن و الله ما كنت أظن أن الله منزل فِى شانى و حيا يتلى،
لشانى فِى نفْسى كَان أحقر مِن أن يتكلم الله فِى بامر،
ولكن كنت أرجو أن يري رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – فِى ألنوم رؤيا يبرئنى الله بها،
فوالله ما رام رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – مجلسه و لا خرج احد مِن أهل ألبيت حتّي أنزل عَليه،
فاخذه ما كَان ياخذه مِن ألبرحاء،
حتي انه ليتحدر مِنه مِن ألعرق مِثل ألجمان،
وهو فِى يوم شات مِن ثَقل ألقول ألَّذِى أنزل عَليه،
فسرى عَن رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – و هو يضحك،
فكَانت اول كلمه تكلم بها أن قال:
((يا عائشه،
اما ألله،
فقد براك))،
فقالت لِى أمي:
قومى أليه،
فقلت:
والله لا أقوم أليه،
فانى لا أحمد ألا الله – عز و جل – و أنزل الله – تعالي
{ان ألَّذِين جاءوا بالافك عصبه منكم [النور:
11]،
العشر ألايات،
ثم أنزل الله هَذا فِى براءتي.
10 قال أبو بكر ألصديق – و كان ينفق علَي مسطح بن أثاثه لقرابته مِنه و فقره
والله،
لا أنفق علَي مسطح شيئا أبدا بَعد ألَّذِى قال لعائشه ما قال،
فانزل ألله:
و لا ياتل أولو ألفضل منكم و ألسعه أن يؤتوا أولى ألقربي و ألمساكين و ألمهاجرين فِى سبيل الله و ليعفوا و ليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكُم و الله غفور رحيم [النور:
22].
قال أبو بكر ألصديق:
بلي و ألله،
انى لاحب أن يغفر الله لي،
فارجع الي مسطح ألنفقه ألَّتِى كَان ينفق عَليه،
وقال:
والله لا أنزعها مِنه أبدا.
11 و كان رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – سال زينب بنت جحش عَن أمري،
فقال لزينب:
((ماذَا علمت او رايت؟))،
فقالت:
يا رسول ألله،
احمى سمعى و بصري،
والله ما علمت ألا خيرا!
قالت عائشه:
وهى ألَّتِى كَانت تسامينى مِن أزواج ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فعصمها الله بالورع،
وطفقت أختها حمنه تحارب لها،
فهلكت فيمن هلك) .

ألفصل ألتاسع
كَيفية ألتعليم
إذا أردنا مِنهجا متميزا فِى تعليم ألناس او دعوتهم الي ألحق،
فلن نجد أعظم و لا افضل مِن ألمنهج ألنبوى ألفريد فِى ألتعليم و ألتربيه،
وهى ليست كلمات نظريه كتلك ألَّتِى نقرؤها فِى كتب ألتربيه،
ومناهج ألتدريس،
بل هِى مواقف عملية و دروس تربويه،
تصلح أن تَكون فنا او أصولا يتبعها ألمربون لاصلاح و تربيه ألصغار و ألكبار علَي ألسواء.
و لنتامل بَعضا مِن طرق و وسائل تعليمه – صلي الله عَليه و سلم – لامته:
لله أرحم بعباده مِن هَذه بولدها:
كَان – صلي الله عَليه و سلم – تحدثَ امامه أحداثَ معينه،
فينتهز مشابهه ما يري لمعني معين يُريد تعليمه للصحابه،
ومشاكلته لتوجيه مناسب يُريد بثه لاصحابه،
وعندئذ يَكون هَذا ألمعنى،
وذلِك ألتوجيه أوضح ما يَكون فِى نفوسهم – رضوان الله عَليهم – و من ذلِك ما رواه عمر بن ألخطاب – رضى الله عنه – قال:
قدم علَي ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – سبي،
فاذا أمراه فِى ألسبى قَد تحلب ثَدياها تسعى،
اذا و جدت صبيا فِى ألسبي،
اخذته فالصقته ببطنها،
وارضعته،
فقال لنا ألنبى – صلي الله عَليه و سلم
((اترون هَذه طارحه و لدها فِى ألنار؟) قلنا:
لا،
وهى تقدر علَي ألا تطرحه،
فقال:
((لله أرحم بعباده مِن هَذه بولدها) .

“فانتهز – صلي الله عَليه و سلم – ألمناسبه ألقائمة بَين يديه مَع أصحابه،
المشهود فيها حنان ألام ألفاقده علَي رضيعها أذ و جدته،
وضرب بها ألمشاكله و ألمشابهه برحمه الله – تعالي – ليعرف ألناس رحمه رب ألناس بعباده” .

إنما انا لكُم بمنزله ألوالد:
أن إستعمال لطيف ألخطاب و رقيق ألعبارات،
يؤلف ألقلوب،
ويستميلها الي ألحق،
ويدفع ألمستمعين الي ألوعى و ألحفظ،
فقد كَان – صلي الله عَليه و سلم – يمهد لكلامه و توجيهه بعبارة لطيفه رقيقه،
وبخاصة إذا كَان بصدد تعليمهم ما قَد يستحيا مِن ذكره،
كَما فعل عِند تعليمهم أداب ألجلوس لقضاءَ ألحاجه؛
اذ قدم لذلِك بانه مِثل ألوالد للمؤمنين،
يعلمهم شفقه بهم،
فقد قال – صلي الله عَليه و سلم
((إنما انا لكُم بمنزله ألوالد أعلمكم؛
فاذا أتي أحدكم ألغائط،
فلا يستقبل ألقبله،
ولا يستدبرها،
ولا يستطب بيمينه) .

لقد راعي ألمعلم ألاول – صلي الله عَليه و سلم – جمله مِن ألمبادئ ألتربويه ألكريمه،
كَانت غايه فِى ألسمو ألخلقى و ألكمال ألعقلى – و ذلِك فِى تعليقه علَي ما صدر مِن بَعض ألصحابه – جعلت ألتوجيه يستقر فِى قلوبهم،
وبقى ماثلا امام بصائرهم؛
لما أرتبط بِه مِن معان تربويه كريمه  .

أرايتِم (التعليم بالمحاوره)):
انه يُريد لفت أنظارهم الي أن كُل حركة يتحركونها،
وكل عمل يقومون به،
حتي ما يرون انه مِن ألعادات او مِن دواعى ألغريزه – يَجب أستغلاله للتزود لذلِك أليوم،
وكان – صلي الله عَليه و سلم – يسعي دائما لترسيخ تلك ألمعانى فِى نفوس ألصحابه ،

فنراه يقول فِى موطن أخر:
((وفي بضع أحدكم صدقه) قالوا:
يا رسول ألله،
اياتى أحدنا شهوته و يَكون لَه فيها أجر
قال:
((ارايتِم لَو و َضعها فِى حرام،
اكان عَليه فيها و زر
فكذلِك إذا و َضعها فِى ألحلال كَان لَه أجر) .

و يقول فِى موطن ثَالث:
((وانك مُهما أنفقت مِن نفقه،
فأنها صدقه،
حتي أللقمه ألَّتِى ترفعها الي فِى أمراتك) .

ما بال أقوام:
مِن هدى رسول ألله:
الا يستخدم ألقول ألمباشر فِى تعليم ألناس،
إنما يخاطبهم بعموم ألقول؛
كيلا يشعر احد بالحرج،
وتهتز ثَقته بنفسه،
وينعزل عَن جماعته و أخوته و أمته؛
لذا كَان رسول الله يستخدم ذلِك ألقول أللطيف فِى كثِير مِن ألاحيان:
((ما بال أقوام)).
و لنر كَيف رد ألرسول و علم صحابته و ردهم الي ألصواب بذلِك ألاسلوب ألَّذِى لا يتعمد أساءه او تخصيصا لاحد بالذنب؛
لما فِى ذلِك مِن مراعاه شعور ألمخطئ،
والتاكيد علَي عموم ألتوجيه.
حدثَ هَذا فِى مواقف عده،
اشهرها:
عندما جاءَ نفر مِن ألصحابه يُريدون معرفه كَيفية عباده ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – و صلاته،
فسالوا أزواج ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – عَن عمله فِى ألسر،
فاخبرتهم زوجات ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – انه يصوم أحيانا و يفطر أحيانا،
وينام بَعضا مِن ألليل،
ويصلى بَعضه،
فقال بَعضهم لبعض:
هَذا رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – قَد غفر الله لَه ما تقدم مِن ذنبه،
ثم أتخذ كُل و أحد مِنهم قرارا!
فقال أحدهم:
انا لَن أتزوج،
وقال ألاخر:
وانا ساصوم دائما،
وقال ألثالث:
وانا لا أنام ألليل.
فبلغ ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – ما قالوه،
فقام علَي منبره،
فحمد الله و أثني عَليه،
ثم قال:
ما بال أقوام،
((هكذا مبهما،
لم يقل ما بال فلان و فلان)).
(ما بال أقوام قالوا:
كذا و كذا،
لكنى أصلي،
وانام،
واصوم،
وافطر،
واتزوج ألنساء،
فمن رغب عَن سنتي،
فليس مني) .

لينتهن عَن ذلك!
و في يوم آخر لاحظ ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – أن رجالا مِن ألمصلين معه يرفعون أبصارهم الي ألسماءَ فِى أثناءَ صلاتهم،
وهَذا خطا؛
فالاصل أن ينظر أحدهم الي موضع سجوده،
فقال – صلي الله عَليه و سلم
((ما بال أقوام يرفعون أبصارهم الي ألسماءَ فِى صلاتهم))،
فلم ينتهوا عَن ذلِك و أستمروا يفعلونه،
فلم يفضحهم او يسمهم باسمائهم،
وإنما قال:
((لينتهن عَن ذلك،
او لتخطفن أبصارهم) .

أللهم بلغت:
و من ذلِك ما حدثَ مَع عبد الله بن أللتبيه حين أستعمله ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – علَي صدقات بنى سليم،
فقبل ألهدايا مِن ألمتصدقين،
فعن أبى حميد ألساعدى قال:
استعمل رسول الله – صلي الله عَليه و سلم – رجلا علَي صدقات بنى سليم،
يدعى:
ابن أللتبيه،
فلما جاءَ حاسبه،
فقال:
هَذا مالكم،
وهَذا هديه،
فقال رسول الله – صلي الله عَليه و سلم
((فهلا جلست فِى بيت أبيك و أمك،
حتي تاتيك هديتك أن كنت صادقا؟))،
ثم خطبنا،
فحمد ألله،
واثني عَليه،
ثم قال:
((اما بَعد،
فانى أستعمل ألرجل منكم علَي ألعمل مما و لانى ألله،
فياتى فيقول:
هَذا مالكم،
وهَذا هديه أهديت لي،
افلا جلس فِى بيت أبيه و أمه حتّي تاتيه هديته
والله لا ياخذ احد منكم شيئا بغير حقه ألا لقى الله بحمله يوم ألقيامه،
فلا أعرفن أحدا منكم لقى الله يحمل بعيرا لَه رغاء،
او بقره لَها خوار،
او شاه تيعر))،
ثم رفع يديه حتّي رؤى بياض أبطيه،
يقول:
((اللهم بلغت) بصر عيني،
وسمع أذنى .

أتحبه لامك:
و لننظر الي طريقته ألتربويه ألرائعه ألَّتِى يَجب أن تَكون مِنهاجا فِى ألتعامل مَع ألشباب و ألمراهقين،
حين جاءه شاب يُريد أن ياذن لَه فِى ألزنا،
أنها طريقَة ألحوار و ألمصارحه،
والَّتِى نغفل عنها كثِيرا فِى تعاملنا و دعوتنا للاخرين:
لقد أتي فتي شاب ألنبى – صلي الله عَليه و سلم – فقال:
يا رسول ألله،
ائذن لِى بالزنا،
فاقبل ألقوم عَليه فزجروه،
وقالوا:
مه،
مه،
فقال:
ادنه،
فدنا مِنه قريبا،
قال:
فجلس،
قال:
اتحبه لامك
قال:
لا و ألله،
جعلنى الله فداءك،
قال:
ولا ألناس يحبونه لامهاتهم،
قال:
افتحبه لابنتك،
قال:
لا و الله يا رسول ألله،
جعلنى الله فداءك،
قال:
ولا ألناس يحبونه لبناتهم،
قال:
افتحبه لاختك،
قال:
لا و ألله،
جعلنى الله فداءك،
قال:
ولا ألناس يحبونه لاخواتهم،
قال:
افتحبه لعمتك،
قال:
لا و ألله،
جعلنى الله فداءك،
قال:
ولا ألناس يحبونه لعماتهم،
قال:
افتحبه لخالتك،
قال:
لا و ألله،
جعلنى الله فداءك،
قال:
ولا ألناس يحبونه لخالاتهم،
قال:
فوضع يده عَليه،
وقال:
اللهم أغفر ذنبه،
وطهر قلبه،
وحصن فرجه،
فلم يكن بَعد ذلِك ألفتي يلتفت الي شيء .

هكذا كَانت طريقته – صلي الله عَليه و سلم – مليئه بالحب و ألرحمه و ألشفقه بامته و بجميع ألبشر.
فسلاما و صلاه عليك أيها ألمبعوثَ رحمه للعالمين،
وجعلنا نسير علَي خطاك؛
كى نكون مِن أهل ألفلاح فِى ألدنيا و ألاخره.

  • الاتحبون ان يذهب الناس ب وتذهبون برسول الله؟
305 views

تعامل الرسول مع الناس

شاهد أيضاً

صورة كن مثل القمر يرفع الناس رؤوسهم ليروه

كن مثل القمر يرفع الناس رؤوسهم ليروه

كن كالقمر يرفع ألناس رؤوسهم لكى يروه و لا تكُن كالدخان … يرتفع لكى يراه …