10:36 مساءً السبت 23 مارس، 2019






تعامل الرسول مع الناس

كيف تعامل الرسول – صلى الله عليه و سلم – مع الناس؟
مواقف عملية)

بالصور تعامل الرسول مع الناس 20160820 4270

مقدمة

والصلاه و السلام على خير الخلق، رسول الانسانيه من بعثه الله بالحق هاديا و مرشدا و معلما.
اما بعد:
فيقول الله في كتابه الكريم: لقد كان لكم في رسول الله اسوه حسنه لمن كان يرجو الله و اليوم الاخر و ذكر الله كثيرا [الاحزاب: 21].
فالرسول الخاتم هو المثال و القدوه التى و جهنا القران الى اتباعها و السير على خطاها؛ كى ننال فلاح الدنيا و الاخره و نحن نقرا في اي القران: وما ارسلناك الا رحمه للعالمين [الانبياء: 107].
اي: انه بعث للبشريه كلها؛ رجالا و نساء، اطفالا و شيوخا، مؤمنين و كافرين، ارسله الله دليلا يدل الناس على الطريق، و رائدا يقود اتباعه الى الخير و الى السعاده و الرضوان.
و جاءت سيرته و افعاله كلها دليلا عمليا يعلم الناس كيف يعيشون و كيف يتعاونون، كيف يختلفون و كيف يتحاورون، بل كيف يحاربون و كيف يسالمون.
و انها لمنه كبري من الخالق العظيم ان تكون لدينا تلك المدرسه النورانيه او الجامعه الكبرى، التى تخرج فيها من قبل جيل الصحابه الاولين، بينما العالم الذى يدعى التحضر لم يبدا الحديث عن الانسان و تنميته و علاقته بالاخرين الا حديثا!
و على رغم ذلك، فقد ادعوا انهم مؤسسو علم جديد يعني بالتنميه البشريه و نجاح الانسان في حياته؛ و للاسف كما اعتاد المسلمون ان يستوردوا كل شيء، فقد استوردوا ذلك العلم المزعوم، و نسوا ان لديهم كنزا ما عرفت البشريه مثله، و لو عرفوا قيمته، لهرعوا ينهلون و ياخذون بقسطهم منه.
اننا لو تتبعنا هدى الرسول الكريم في التعامل مع الناس، و منهجه في تربيه اصحابه الكرام – لادركنا اننا نحمل للبشريه خيرا عميما، ينقذها من كل الامها و عذاباتها، و يقدم لها سعادتها الكبري التى تبتغيها.
فهلم يا كل البشر، و يا كل محبى الانسانيه و يا من تبحثون عن سعاده الانسان و رضا قلبه، يا من تتحدثون عن حضاره انسانيه و تعايش سلمي، يا من ترجون للعالم امنا، و للنفوس اتزانا، و للارواح سلاما، تعالوا الى مدرسه النبوه الخالده نستجل بعضا من مواقف الحبيب، و صورا من تعامله مع اصناف الناس، كيف احبهم و كيف اسعدهم حتى كان احب اليهم من نفوسهم التى بين جنوبهم.
هلم الى تلك الروضه الغناء؛ لعل نفوسنا العصيه على التغيير تحاول القرب من الحبيب، فتكون اطيب و ارقي و تقتدى بخير خلق الله.
الفصل الاول
مراعاه الطبيعه البشرية
خلق الله الانسان مميزا بصفات و طبائع عده و فطره على امور يعرف بها؛ كحبه للمال، و تعجله للخير، و حاجته للحب و الاهتمام و التشجيع، و غير ذلك مما يعرفه علماء النفس، و يتحدث به اصحاب التنميه البشريه اليوم.
اما مدرستنا النبويه فقد علمت ذلك منذ زمن بعيد، و تعاملت مع ذلك الانسان تعاملا راقيا؛ فصار بعدها ذلك الانسان السماوى الذى اقام الحضاره و علم الدنيا، و نفع الناس جميعا!
و الان لنا ان ناخذ بعض المواقف – لاننا لا نملك ان نحصى المواقف العطره كلها – كى نضعها انموذجا و مثالا نسير عليه، و نهديه لاجيالنا؛ كى يترقوا و يسلكوا الطريق الى السعاده و الى رضوان الله، و لقد راينا في تلك المواقف صورا رائعه من مراعاه طبيعه البشر من نواح عدة:
ابداء الاهتمام:
كان رسولنا – صلى الله عليه و سلم – يظهر اهتمامه بكل فرد على حده و كان لذلك قيمته الكبري في المجتمع المسلم؛ اذ يشعر الفرد حينذاك باهميته و بما يملك من طاقات؛ فيسعي لخدمه دينه و اهله و مجتمعه، فها هو زاهر الذى يروى لنا انس – رضى الله عنه – حديث رسول الله معه و كيف رفع قيمته، و عرفه قدره عند الله.
عن انس: ان رجلا من اهل الباديه كان اسمه زاهرا يهدى النبى – صلى الله عليه و سلم – الهديه من الباديه فيجهزه النبى – صلى الله عليه و سلم – اذا اراد ان يخرج، فقال رسول الله: (ان زاهرا باديتنا و نحن حاضروه))، و كان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يحبه و كان رجلا دميما، فاتاه رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و هو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه و لا يبصره الرجل، فقال: ارسلني، من هذا فالتفت فعرف النبى – صلى الله عليه و سلم – فجعل لا يالو ما الصق ظهره بصدر النبى – صلى الله عليه و سلم – حين عرفه، وجعل رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يقول: (من يشترى العبد؟))، فقال: يا رسول الله، اذن و الله تجدنى كاسدا، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم لكن عند الله لست بكاسد – او قال: – لكن عند الله انت غال) .
كان – صلى الله عليه و سلم – يعامل كل احد يلقاه بمهارات؛ من احتفاء، و تفاعل، و بشاشة؛ حتى يشعر ذلك الشخص انه احب الناس اليه، و بالتالى يكون هو ايضا احب الناس اليهم؛ لانه اشعرهم بمحبته.
و ها هنا موقف اخر نري فيه كيف يهتم الرسول باصحابه؛ حتى يظن الواحد منهم انه احب الناس اليه:
كان عمرو بن العاص – رضى الله عنه – داهيه من دهاه العرب؛ حكمه و فطنه و ذكاء، فادهي العرب اربعة: عمرو واحد منهم، اسلم عمرو و كان راسا في قومه، فكان اذا لقى النبى – صلى الله عليه و سلم – في طريق راى البشاشه و البشر و المؤانسه و اذا دخل مجلسا فيه النبى – صلى الله عليه و سلم – راى الاحتفاء و السعاده بمقدمه، و اذا دعاه النبى – صلى الله عليه و سلم – ناداه باحب الاسماء اليه.
شعر عمرو بهذا التعامل الراقى و دوام الاهتمام و التبسم – انه احب الناس الى رسول الله، فاراد ان يقطع الشك باليقين، فاقبل يوما الى النبى – صلى الله عليه و سلم – و جلس اليه، ثم قال: يا رسول الله، اي الناس احب اليك فقال – صلى الله عليه و سلم (عائشة))، قال عمرو: لا، من الرجال يا رسول الله لست اسالك عن اهلك، فقال – صلى الله عليه و سلم (ابوها))، قال عمرو: ثم من قال: (ثم عمر بن الخطاب))، قال: ثم اي فجعل النبى – صلى الله عليه و سلم – يعدد رجالا، يقول: فلان، ثم فلان بحسب سبقهم الى الاسلام، و تضحيتهم من اجله، قال عمرو: فسكت؛ مخافه ان يجعلنى في اخرهم، فانظر كيف استطاع – صلى الله عليه و سلم – ان يملك قلب عمرو بمهارات اخلاقيه ما رسها معه .
تقديم النصح في صوره طيبة:
نادرا ما تجد انسانا يقبل ان تسدد اليه نصحا، او تصحح له خطا، و قد كان رسول الانسانيه العظيم يعلم ان افضل الطرق لقبول النصيحه و وضعها موضع التنفيذ – هى ان تقدم في صوره طيبه و بكلمات تقبلها النفس؛ مع ان خير البشر لو اراد لقال نصحه على اي و جه؛ فهو يعلم ان اصحابه يقدمونه على انفسهم، وان ما يدلهم عليه احب اليهم مما يحبون، لكنه يقدم لنا الاسوه و القدوة؛ فها هو – صلى الله عليه و سلم – يدعو عبد الله بن عمر لقيام الليل، فلا يقول كما يقول بعض الشيوخ: ان التاركين لصلاه الليل خاسرون وفاسقون – فربما كان المعني صحيحا، و لكن اسلوب الكلام لا يدعو احدا الى قبول النصيحه و العمل بها – بل يقول في حب: (نعم العبد عبد الله بن عمر لو كان يقوم من الليل))، قال سالم بن عبد الله بن عمر: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل الا قليلا.
تقدير الطاقات و المواهب:
من خلال تشجيع المحسن و الثناء عليه؛ ليزداد نشاطا و اقبالا على العلم و العمل، مثلما فعل مع ابى موسي الاشعرى حين اثني على قراءته و حسن صوته بالقران الكريم؛ فعن ابى موسي – رضى الله عنه – ان النبى – صلى الله عليه و سلم – قال له: (لو رايتنى و انا استمع لقراءتك البارحه لقد اوتيت مزمارا من مزامير ال دواد) .
و قد قدر رسول الكريم شاعريه حسان بن ثابت فلم ياخذ عليه او يدعه الى ترك قول الشعر و الالتفات الى الجهاد بالنفس او تعلم القران، بل علمنا ان الاسلام يحتاج الى كل الطاقات، و يقدر كل المواهب، فجعل حسان فارسا من فرسان دعوه الاسلام يذود عنها بشعره و لسانه، و يهجو شعراء المشركين، فيمدحه رسول الله قائلا: (اهجهم و روح القدس معك)).
البحث عن منافذ الخير:
لان رسولنا الحبيب كان يعرف معادن الناس؛ فقد كان احرص الناس على دعوه من يتوسم فيهم الصلاح و الخير، حتى وان بدوا اعداء كارهين لدعوه الاسلام؛ لذا فقد قال النبى الملهم من السماء: (الناس معادن، خيارهم في الجاهليه خيارهم في الاسلام اذا فقهوا) ؛ و لذا نراه – صلى الله عليه و سلم – يامل في اسلام بعض الفضلاء الذين حاربوا الاسلام في بدايته، و قادوا ضده المعارك، و من هؤلاء كان القائد المميز الذى صار يضرب باسم الله بعد ذلك خالد بن الوليد!
فماذا قال عنه رسول الله؛ حتى يفتح قلبه و عقله للاسلام بعدما ادرك ان فيه منافذ خير تؤهله ان يكون قائدا من جنود الاسلام العظام مقاله وصلت الى مسامع خالد، فاحدثت اثرا في قلبه الذى كتب الله له الهداية: (اومثل خالد يتوه عن الاسلام؟!)).
و لنستمع الان الى خالد نفسه يقص علينا خبر اسلامه، و كيف و قع في قلبه كلام رسول الله عنه!
“كان اخى الوليد بن الوليد قد دخل مع النبى – صلى الله عليه و سلم – في عمره القضيه فطلبنى فلم يجدني، فكتب الى كتابا، فاذا فيه: ، اما بعد، فانى لم ار اعجب من ذهاب رايك عن الاسلام، و عقلك عقلك، و مثل الاسلام جهله احد و قد سالنى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – عنك فقال: اين خالد فقلت: ياتى الله به فقال: ما مثله جهل الاسلام، و لو كان جعل نكايته و جده مع المسلمين على المشركين، لكان خيرا له، و لقدمناه على غيره، فاستدرك يا اخى ما فاتك، فقد فاتتك مواطن صالحة.
قال: فلما جاءنى كتابه، نشطت للخروج، و زادنى رغبه في الاسلام، و سرنى مقاله رسول الله، قال خالد: و اري في النوم كانى في بلاد ضيقه جديبه فخرجت الى بلد اخضر و اسع، فقلت: ان هذه لرؤيا، فلما قدمت المدينه قلت: لاذكرنها لابى بكر، قال: فذكرتها، فقال: هو مخرجك الذى هداك الله للاسلام، و الضيق الذى كنت فيه من الشرك، فلما اجمعت للخروج الى رسول الله، قلت: من اصاحب الى رسول الله فلقيت صفوان بن اميه فقلت: يا ابا و هب، اما تري ما نحن فيه انما نحن اكله راس، و قد ظهر محمد على العرب و العجم، فلو قدمنا على محمد فاتبعناه؛ فان شرف محمد على العرب، فابي اشد الاباء، و قال: لو لم يبق غيرى من قريش ما اتبعته ابدا، فافترقنا، و قلت: هذا رجل موتور يطلب و ترا، قد قتل ابوه و اخوه ببدر، فلقيت عكرمه بن ابى جهل فقلت له مثل الذى قلت لصفوان، فقال لى مثل ما قال صفوان، قلت: فاكتم علي، قال: لا اذكره، فخرجت الى منزلي، فامرت براحلتي، فخرجت بها الى ان لقيت عثمان بن طلحه فقلت: ان هذا لى صديق، فلو ذكرت له ما ارجو، ثم ذكرت من قتل من ابائه، فكرهت اذكره، ثم قلت: و ما على و انى راحل من ساعتي، فذكرت له ما صار الامر اليه، فقلت: انما نحن بمنزله ثعلب في جحر، لو صب عليه ذنوب من ماء لخرج، قال: و قلت له نحو ما قلت لصاحبيه، فاسرع في الاجابه و قال: لقد غدوت اليوم و انا اريد ان اغدو، و هذه راحلتى بفخ مناخه قال: فاتعدت انا و هو بياجج، ان سبقنى اقام، وان سبقته اقمت عليه، قال: فادلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بياجج، فغدونا حتى انتهينا الى الهده فنجد عمرو بن العاص بها، فقال: مرحبا بالقوم، فقلنا: و بك، قال: مسيركم قلنا: ما اخرجك قال: فما الذى اخرجكم قلنا: الدخول في الاسلام و اتباع محمد – صلى الله عليه و سلم – قال: و ذلك الذى اقدمني.
قال: فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينه فانخنا بظاهر الحره ركابنا، فاخبر بنا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فلقينى اخى فقال: اسرع؛ فان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – قد اخبر بك فسر بقدومك، و هو ينتظركم، فاسرعت المشى فطلعت عليه، فما زال يتبسم الى حتى و قفت عليه، فسلمت عليه بالنبوه فرد على السلام بوجه طلق، فقلت: انى اشهد ان لا اله الا الله، و انك رسول الله، فقال: (الحمد لله الذى هداك، قد كنت اري لك عقلا، رجوت الا يسلمك الا الى خير))، قلت: يا رسول الله، قد رايت ما كنت اشهد من تلك المواطن عليك معاندا عن الحق، فادع الله ان يغفرها لي، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (الاسلام يجب ما كان قبله))، قلت: يا رسول الله، على ذلك فقال: (اللهم اغفر لخالد كل ما اوضع فيه من صد عن سبيلك))، قال خالد: و تقدم عمرو و عثمان فبايعا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و كان قدومنا في صفر سنه ثمان، فوالله ما كان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من يوم اسلمت يعدل بي احدا من اصحابه فيما حزبه” .
لا يترك مدخلا للشيطان:
و هب الله رسول الاسلام العظيم من المواهب، و رزقه من المهارات – ما يعينه على تبليغ الدعوه و تربيه اصحابه و الامه من بعده؛ و لذلك كان طبيعيا ان يلتفت الى الطبيعه البشريه التى يجرى منها الشيطان مجري الدم في العروق، فيعلمنا الا نترك فرصه و لا مدخلا يدخل من خلاله الشيطان، فيوسوس للنفس، و يلقى اليها بالظنون، و يثقل كاهلها بالشك البغيض، و مع انه رسول الله، و مع انه المعصوم من الرذائل و الفتن، نجده في ذلك الموقف يضع لنا قاعده في التعامل مع الشائعات او الظنون، و هو الا نترك لها مدخلا للشيطان، و الا نستثير ظنون الاخرين و شكوكهم فينا، فنوضح ما خفى للناس، و نبين لهم ما غاب عنهم.
انها صفية!
تروى صفيه – رضى الله عنها انها جاءت الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ليلا تزوره – و هو معتكف في المسجد – فحدثته، قالت: ثم قمت فقام معى – و كان مسكنها في دار اسامه بن زيد – فمر رجلان من الانصار، فلما رايا النبى – صلى الله عليه و سلم – اسرعا، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (علي رسلكما، انها صفيه بنت حيي))، فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال: (ان الشيطان يجرى من الانسان مجري الدم، و انى خشيت ان يقذف في قلوبكما شيئا – او قال: شرا)) .
حسن الاستماع:
يتحدث الدعاه عن فن احتواء القلوب، و يضعون حسن الاستماع الى الاخر اول الخطوات الى كسب و تاليف القلوب، و ها هو سيد الدعاه يعلمنا في احد المواقف كيف نستمع الى الاخر بكل حب، حتى وان اغلظ في القول او بدا غير مهذب.
“بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبه و افدا الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فقدم عليه فاناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد و رسول الله – صلى الله عليه و سلم – جالس في اصحابه، و كان ضمام رجلا اشعر ذا غديرتين، فاقبل حتى و قف على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – في اصحابه، فقال: ايكم ابن عبد المطلب، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (انا ابن عبد المطلب))، قال: محمد، قال: (نعم))، قال: ابن عبد المطلب، انى سائلك و مغلظ في المساله فلا تجدن في نفسك، قال: (لا اجد في نفسي، فسل عما بدا لك))، قال: انشدك بالله الهك و اله من قبلك و اله من هو كائن بعدك، الله بعثك الينا رسولا قال: (اللهم نعم))، فقال: انشدك بالله الهك و اله من هو كائن بعدك، الله امرك ان تامرنا ان نعبده لا نشرك به شيئا، وان نخلع هذه الانداد التى كان اباؤنا يعبدون معه قال: (اللهم نعم))، قال: فانشدك الله الهك و اله من قبلك و اله من هو كائن بعدك، الله امرك ان تصلى هذه الصلوات الخمس قال: (اللهم نعم))، قال: ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضه فريضة: الزكاه و الصيام، و الحج، و شرائع الاسلام كلها، يناشده عند كل فريضه كما ناشده في التى قبلها.
فلما فرغ قال: انى اشهد ان لا اله الا الله، و اشهد ان محمدا رسول الله، و ساؤدى هذه الفرائض، و اجتنب ما نهيتنى عنه لا ازيد و لا انقص، قال: ثم انصرف راجعا الى بعيره، قال: فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم – حين و لى: (ان صدق ذو العقيصتين يدخل الجنة))، قال: فاتي بعيره فاطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا اليه، فكان اول ما تكلم به ان قال: بئست اللات و العزى، قالوا: مه يا ضمام، اتق البرص و الجذام، اتق الجنون، قال: و يلكم، انهما و الله ما يضران و لا ينفعان؛ ان الله قد بعث رسولا، و انزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، و انى اشهد ان لا اله الا الله، و حده لا شريك له، وان محمدا عبده و رسوله، و قد جئتكم من عنده بما امركم به و نهاكم عنه، قال: فوالله ما امسي في ذلك اليوم و في حاضره رجل و لا امرأة الا مسلما، قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم افضل من ضمام” .
الكلام المناسب:
يعلمنا الرسول القدوه ان لكل كلام وقتا و مناسبه و ليس اي كلام يصلح في اي وقت، و يوضح لنا من خلال مواقفه العمليه الراقيه كيف نكون رحماء بالناس؛ من خلال الكلمه الطيبه التى تراعى مشاعرهم، و تقدر احتياجاتهم، فنكون لهم سندا و عونا في صحراء الحياه القاسية.
و لنا ان نتامل في هذا الموقف كيف احس رسول الله بما يحتاجه جابر بن عبد الله من دعم معنوى و ما دى بعد عودته متعبا من غزوه ذات الرقاع “وجابر – رضى الله عنه – اهل لهذه العنايه في هذه الايام بالذات؛ فقد قتل ابوه في معركه احد)، و هو سيد من سادات الانصار، و قد خلف و راءه تبعه ثقيله تحملها ابنه الاكبر هذا و حده، و ترك الاب لولده مهمه رعايه البنات اليتم، و قد بلغ عددهن سبعا، على فقر و شظف، و كان اجدر بغير جابر ان يتخلف عن مثل هذه الغزوة؛ متعللا بهذه المسؤوليه الاسريه الصعبه و لو تخلف مثل جابر لكان له في ذلك الف عذر، و لكنها اسره مسلمه مجاهده و ربها مجاهد ابن مجاهد، و من يشابه اباه فما ظلم” .
لقد رق النبى – صلى الله عليه و سلم – و هو صاحب القلب الرؤوف – لحال جابر و ال جابر و بيت جابر، فيبدو ان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – كان يلحظه بعين رحمته الشفيقه بين الفينه و الاخرى، كما ينظر احدنا لولده شفقه من حين الى اخر؛ حتى لم يجده مره في صفوف الجيش، و قد جعل الجيش يمضى و جابر يتاخر به جمله العليل، و يكان العله قد اصابت جابرا في كل بيته حتى جمله!
فاذا النبى – صلى الله عليه و سلم – يدرك ذلك، فيؤخر جمله؛ ليلحق بجابر في اخر الجيش، فادركه، و علم ما حل بجمله من عله فقال النبى – صلى الله عليه و سلم (اعطنى هذه العصا من يدك))، قال جابر: فنخسه بها نخسات، ثم قال النبى – صلى الله عليه و سلم (اركب))، فركبت، فخرج و الذى بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة!
ثم دار هذا الحديث الرقيق الرفيق، الذى يعبر عن نفس زكيه عظيمه كانت بين جنبى محمد – صلى الله عليه و سلم – تبين لك كيف كان حرصه على المؤمنين، و كيف كان يتذرع الذرائع من اجل ان يخدمهم، و يصنع الصنائع من اجل ان يكرمهم:
قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (اتبيعنى جملك هذا يا جابر؟))، قال جابر: يا رسول الله، بل اهبه لك قال: (لا، و لكن بعنيه))، قال جابر: فسمنى به، قال: (قد قلت: اخذته بدرهم))، قال: لا، اذا يغبننى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – قال: (فبدرهمين))، قال جابر: لا.
و لم يزل هذا الحديث الفكه هكذا، و رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يرفع له في سعر الجمل حتى بلغ الاوقيه فقال جابر: فقد رضيت، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (قد رضيت؟))، قال: نعم، هو لك، قال: (قد اخذته)).
ثم انتقل الحوار الكريم الى مجال اخر، و قد تحدث النبى الى جابر كما يتحدث احدنا الى اخيه او صديقه حديث الرجل للرجل، مع ظرف و طرف و لطف:
فقال النبى – صلى الله عليه و سلم – لجابر: (يا جابر، هل تزوجت بعد؟))، قال: نعم يا رسول الله، قال: (اثيبا ام بكرا؟))، قال: بل ثيبا، قال: (افلا جاريه تلاعبها و تلاعبك؟))، قال: يا رسول الله، ان ابى اصيب يوم احد، و ترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة؛ تجمع رؤوسهن، و تقوم عليهن، قال: (اصبت ان شاء الله)).
ثم قال النبى – صلى الله عليه و سلم (اما انا لو قد جئنا صرارا [موضع قرب المدينة] امرنا بجزور فنحرت، و اقمنا عليها يومنا ذلك، و سمعت بنا، فنفضت نمارقها))، قال: و الله يا رسول الله، ما لنا من نمارق!
قال: (انها ستكون، فاذا انت قدمت، فاعمل عملا كيسا)).
واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين [الشعراء: 215].
قال جابر: فلما جئنا صرارا، امر رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بجزور فنحرت، فاقمنا عليها ذلك اليوم، فلما امسي رسول الله – صلى الله عليه و سلم – دخل، و دخلنا، فلما اصبحت اخذت براس الجمل فاقبلت به؛ حتى انخته على باب رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ثم جلست في المسجد قريبا منه، و خرج رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فراي الجمل، فقال: (ما هذا؟))، قالوا: يا رسول الله، هذا جمل جاء به جابر، قال: (فاين جابر؟))، فدعيت له، قال: (تعال، اي يا بن اخي، خذ براس جملك، فهو لك)).
فدعا بلالا، فقال: (اذهب بجابر، فاعطه اوقية))، فذهبت معه فاعطانى اوقيه و زادنى شيئا يسيرا.
قال جابر: فوالله ما زال ينمى عندنا، و نري مكانه من بيتنا .
و لا تنقضى مواقف الرسول الرحيم الرؤوف بامته، و بسائر بنى البشر، فهى مدرسه تحتاج ان نلجها صبحا و مساء؛ كى ناخذ زادا يعيننا على السير على طريق الحق و الخير؛ طريق الرسول الكريم.

الفصل الثاني
مراعاه النفسيات المختلفة
مع اتفاق بنى البشر في طبائع معينه الا ان الله خلق لكل انسان شخصيه خاصه به، و طباعا تتعلق به و حده، يتوارثها او يكتسبها من بيئته، كما ان لكل فرد نفسيه خاصه تحتاج لفهم؛ حتى لا نسبب الاذى، او نقلل شان احد دون و عى او ادراك، و هذا فن اخر يعلمنا اياه رسول الانسانيه – صلى الله عليه و سلم – من خلال تعامله مع صحابته و مع غيرهم من افراد المجتمع في المدينة.
و لنتامل بعضا من تعامله مع تلك النفسيات المتباينه كيف تعامل معها جميعا، و جمعها في و حده واحده و على طريق واحد؟
تعامله مع الصديق – رضى الله عنه
فها هو مع صاحبه و خليله ابى بكر يقدر له تلك النفس الرقيقه و يختاره صاحبا له في الهجره و لم يقل حينها: انا احتاج الى رفيق قوى يحمى الدعوة؛ و انما راه رجل تلك الرحله – و التى كانت من كبري احداث الاسلام – بل كاد ان يتوقف عليها مستقبل الدعوه باكملها، ثم ها هو يختاره في اشد اللحظات حرجا؛ ليؤكد انه الاصلح لخلافته.
لما مرض رسول الله – صلى الله عليه و سلم – مرض الموت، و اشتد عليه الوجع، لم يستطع القيام ليصلى بالناس، فقال و هو على فراشه: (مروا ابا بكر فليصل بالناس))، قالت ام المؤمنين عائشه بنت الصديق – رضى الله عنها ان ابا بكر رجل اسيف، اذا قام مقامك لم يستطع ان يصلى بالناس؛ اي: من شده التاثر و البكاء، و كان النبى – صلى الله عليه و سلم – يعلم ذلك عن ابى بكر، انه رجل رقيق يغلبه البكاء، خاصه في هذا الموطن، لكنه – صلى الله عليه و سلم – كان يشير الى احقيه ابى بكر بالخلافه من بعده، فاعاد – صلى الله عليه و سلم – الامر: (مروا ابا بكر فليصل بالناس) حتى صلى ابو بكر.
تعامله مع عمر بن الخطاب:
و تعامل – صلى الله عليه و سلم – مع عمر القوى الجريء في الحق الذى لا يرضي بالدنيه و زكي شجاعته
و قوته بتلقيبه بالفاروق، و بقوله له: (ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا، الا سلك فجا غير فجك) .
و هنا في هذا الموقف نجد لعمر حضورا يسعد به النبي.
لقد خرج النبى – صلى الله عليه و سلم – مع اصحابه الى بدر، فلما سمع بخروج قريش عرف ان رجالا من قريش سيحضرون الى ساحه المعركه كرها، و لن يقع منهم قتال على المسلمين.
فقام – صلى الله عليه و سلم – في اصحابه و قال: (انى قد عرفت رجالا من بنى هاشم و غيرهم قد اخرجوا كرها لا حاجه لهم بقتالنا؛ فمن لقى منكم احدا من بنى هاشم، فلا يقتله، و من لقى ابا البخترى بن هشام، فلا يقتله، و من لقى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فلا يقتله؛ فانه انما خرج مستكرها)).
و قيل: ان العباس كان مسلما يكتم اسلامه، فلم يحب النبى – صلى الله عليه و سلم – ان يقتله المسلمون.
كانت هذه المعركه اول معركه تقوم بين الفريقين: المسلمين و كفار قريش.
و كانت نفوس المسلمين مشدوده فهم لم يستعدوا لقتال، و سيقاتلون اقرباء و ابناء و اباء.
و هذا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يمنعهم من قتل البعض، و كان عتبه بن ربيعه من كبار كفار قريش، و من قاده الحرب، و كان ابنه ابو حذيفه بن عتبه بن ربيعه مع المسلمين، فلم يصبر ابو حذيفه بل قال: انقتل اباءنا و ابناءنا و اخواننا، و نترك العباس و الله لئن لقيته لالحمنه بالسيف.
فبلغت كلمته رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فالتفت النبى – عليه الصلاه و السلام – فاذا حوله اكثر من ثلاثمائه بطل، فوجه نظره فورا الى عمر، و لم يلتفت الى غيره و قال: (يا ابا حفص، ايضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟!)).
قال عمر: و الله، انه لاول يوم كنانى فيه رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بابى حفص.
و كان عمر رهن اشاره النبى – صلى الله عليه و سلم – و يعلم انهم في ساحه قتال لا مجال فيها للتساهل في التعامل مع من يخالف امر القائد، او يعترض امام الجيش، فاختار عمر حلا صارما، فقال: يا رسول الله، دعنى فلاضرب عنقه بالسيف، فمنعه النبى – صلى الله عليه و سلم – و راى ان هذا التهديد كاف في تهدئه الوضع.
كان ابو حذيفه – رضى الله عنه – رجلا صالحا، فكان بعدها يقول: ما انا بامن من تلك الكلمه التى قلت يومئذ، و لا ازال منها خائفا الا ان تكفرها عنى الشهاده فقتل يوم اليمامه شهيدا.
هذا عمر، كان – رضى الله عنه – يعلم بنوع الاعمال التى يسندها اليه، فليس الامر متعلقا بجمع صدقات، و لا باصلاح متخاصمين، و لا بتعليم جاهل؛ و انما هم في ساحه قتال، فكانت الحاجه الى الرجل الحازم المهيب اكثر منها الى غيره؛ لذا اختار عمر و استثاره: (ايضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟!) .
و هذا الموقف الاخر الذى يرويه لنا الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود يؤكد لنا كيف زكي رسول الله صاحبيه الاثنين، و راى في كل منهما شبها باحد الانبياء، فلم يعتب على احد منهما في رايه، و انما راى لكل منهما نفسيه خاصه يصدر عنها في رايه؛ فقدر هذا و رحب به، فليتنا نتشبه بفعل رسول الله و نقتدى بفعله الكريم؛ فعن عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه – قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (ما تقولون في هؤلاء الاسرى؟) فقال ابو بكر: يا رسول الله، قومك و اهلك، استبقهم و استان بهم، لعل الله ان يتوب عليهم، و قال عمر: يا رسول الله، اخرجوك و كذبوك، قربهم فاضرب اعناقهم، و قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر و اديا كثير الحطب، فادخلهم فيه ثم اضرم عليهم نارا، فقال العباس: قطعت رحمك، فدخل رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و لم يرد عليهم شيئا، فقال ناس: ياخذ بقول ابى بكر، و قال ناس: ياخذ بقول عمر، و قال ناس: ياخذ بقول عبد الله بن رواحه فخرج عليهم رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فقال: (ان الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون الين من اللبن، وان الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون اشد من الحجاره وان مثلك يا ابا بكر، كمثل ابراهيم – عليه السلام – قال: فمن تبعنى فانه منى و من عصانى فانك غفور رحيم [ابراهيم: 36]، و مثلك يا ابا بكر كمثل عيسي قال: ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم [المائدة: 118]، وان مثلك يا عمر كمثل نوح؛ اذ قال: رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا [نوح: 26]، وان مثلك يا عمر كمثل موسي قال: ربنا اطمس على اموالهم و اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم [يونس: 88]، ثم قال – صلى الله عليه و سلم (انتم عاله فلا ينفلتن منهم احد الا بفداء او ضرب عنق))  .
تعامله مع ابى ذر:
كان رسول الله بما اوتى من فهم، قد ادرك نفسيه ابى ذر التى تكره الظلم، و تاخذ نفسها بالشده و الزهد، فوجهه الى ان يكون نصيرا للمحتاجين ثابتا على مبدا الحق، وان خالفه الناس؛ و لانه فهم تلك النفسيه العازفه عن الدنيا قال له عندما طلب الاماره يوما:
يا رسول الله، الا تستعملنى في اي منصب، قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا ابا ذر، انك ضعيف، و انها امانه و انها يوم القيامه خزي، و ندامه الا من اخذها بحقها، و ادي الذى عليه فيه) .
تعامله مع ابى سفيان:
كان ابو سفيان من اكثر المشركين عداء لرسول الله و لدعوه الاسلام، و كان احد القواد الذين يقودون المعارك ضد رسول الله، و لكن رسول الله كان يود له الخير، و يرجو ان يهديه الله الى دينه الحق؛ لذا تعامل مع نفسيته التى تحب الفخر و التى اعتادت على مظهر القوه و قدم له الدليل العملى على قوه الاسلام، و انتشار امره في الجزيره العربية؛ مما كان له اثره الكبير في نفس ابى سفيان؛ فاستجاب لداعى الحق و اعلن اسلامه عقب الفتح.
و لنر في حديث العباس كيف تعامل الرسول مع ابى سفيان قائد جيش المشركين قبل اسلامه:
قال العباس: قلت: يا رسول الله، ان ابا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا، قال: (نعم، من دخل دار ابى سفيان فهو امن، و من اغلق بابه فهو امن، و من دخل المسجد فهو امن))، فلما ذهب لينصرف، قال رسول الله: (يا عباس، احبسه بمضيق الوادى عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها))، قال: فخرجت حتى حبسته حيث امرنى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و مرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيله قال: يا عباس، من هذه فاقول: سليم، فيقول: ما لى و لسليم، ثم تمر به القبيله فيقول: يا عباس، من هؤلاء فاقول: مزينه فيقول: ما لى و لمزينه حتى مر به رسول الله – صلى الله عليه و سلم – في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون و الانصار، لا يري منهم الا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء قال: قلت: هذا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – في المهاجرين و الانصار، قال: ما لاحد بهؤلاء قبل و لا طاقه ثم قال: و الله يا ابا الفضل، لقد اصبح ملك ابن اخيك اليوم عظيما، قال: قلت: يا ابا سفيان، انها النبوه قال: فنعم اذا، قال: قلت: النجاء الى قومك.
ان في هذه القصه دروسا و عبرا و حكما في كيفيه معامله رسول الله – صلى الله عليه و سلم – للنفوس البشريه و من اهم هذه الدروس:
عندما اصبح ابو سفيان رهينه بيد المسلمين، و اصبح رهن اشاره النبى – صلى الله عليه و سلم – و هم به عمر، و اجاره العباس، ثم جاء في صبيحه اليوم الثانى ليمثل بين يدى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و كانت المفاجاه الصاعقه له بدل التوبيخ و التهديد و الاذلال ان يدعي الى الاسلام، فتاثر بهذا الموقف و اهتز كيانه، فلم يملك الا ان يقول: بابى انت و امى يا محمد، ما احلمك و اكرمك و اوصلك انه يفدى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بابيه و امه، و يثنى عليه الخير كله: ما احلمك و اكرمك و اوصلك .
و عندما قال العباس للنبى – صلى الله عليه و سلم ان ابا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا، قال النبى – صلى الله عليه و سلم (نعم، من دخل دار ابى سفيان فهو امن))، ففى تخصيص بيت ابى سفيان شيء يشبع ما تتطلع اليه نفس ابى سفيان، و في هذا تثبيت له على الاسلام و تقويه لايمانه، و كان هذا الاسلوب النبوى الكريم عاملا على امتصاص الحقد من قلب ابى سفيان، و برهن له بان المكانه التى كانت له عند قريش، لن تنتقص شيئا في الاسلام، ان هو اخلص له و بذل في سبيله، و هذا منهج نبوى كريم، على العلماء و الدعاه الى الله ان يستوعبوه و يعملوا به في تعاملهم مع الناس .
تعامله مع نفسيات زوجاته:
مما لا شك فيه ان زواج الرجل باكثر من زوجه له نتائج كارثيه في كثير من البيئات، ليس بسبب الزواج نفسه، و لكن لان الرجل الذى يتزوج لا يحسن التعامل مع نفسيه زوجتيه الاولي او الثانيه فهو لا يقدر ان الغيره امر طبعى في فطره المرأة فلا يعمل على علاجها او التقليل منها، و هو كذلك لا يقدر الم الزوجه الاولي النفسي؛ لانها من عاشت معه السنوات الاولي التى يكون فيها دائما الكثير من المصاعب التى تتحملها الزوجه راضيه مع زوجها؛ لذا فان رسول الله – الذى جمع بين تسعه نساء – يقدم لنا النموذج الراقى في التعامل مع النساء و غيرتهن الطبيعيه و لنقرا ذلك الموقف الذى حدث مع ام المؤمنين عائشه – رضى الله عنها – و كيف كان متفهما لموقفها، و في نفس الوقت كان يدعوها الى تصحيح ما اخطات.
تروى ام سلمه انها اتت بطعام في صحفه لها الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و اصحابه، فجاءت عائشه متزره بكساء، و معها فهره فلقت به الصحفه فجمع النبى – صلى الله عليه و سلم – بين فلقتى الصحفه و يقول: كلوا، غارت امكم مرتين، ثم اخذ رسول الله – صلى الله عليه و سلم – صحفه عائشه فبعث بها الى ام سلمه و اعطي صحفه ام سلمه عائشه .
تعامله مع الاعراب:
اما الاعراب، فهم ابناء بيئه جافه خشنه تجعل نفوسهم اقرب الى الجفاء منها الى الود، يحتاجون في التعامل معهم الى نفس هادئه حليمه تفهم طبيعتهم، و تقدر نفسياتهم، فتبسط اليهم الود؛ حتى وان بدؤوك بالعدوان، فلنتعلم من مدرسه النبوه و لنقف على بعض تلك المواقف التى تزيدنا حبا و تعلقا برسولنا الكريم:
و لنستمع الى انس بن ما لك يروى لنا:
كنت امشى مع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و عليه برد نجرانى غليظ الحاشيه فادركه اعرابي، فجبذه بردائه جبذه شديده حتى نظرت الى صفحه عاتق رسول الله – صلى الله عليه و سلم – قد اثرت بها حاشيه البرد من شده جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لى من ما ل الله الذى عندك، فالتفت اليه رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ثم ضحك، ثم امر له بعطاء .
ان هذا الاعرابى لا يعجبه المنطق الدقيق، و لا الطبع الرفيق، قدر ما يعجبه عطاء يملا جيبوبه، و يسكن مطامعه .
و في يوم اقبل رجل الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فساله ما لا، فاعطاه النبى الكريم قطيعا من غنم بين جبلين، فرجع الرجل الى قومه، فقال: (يا قوم، اسلموا؛ فان محمدا يعطى عطاء من لا يخاف الفاقه .
مع الانصار بعد غزوه حنين:
و اننا لنعجب من موقف الرسول – صلى الله عليه و سلم – من الانصار بعد غزوه حنين؛ اذ ادرك ما بنفوسهم، فتعامل مع نفسياتهم المتاثره بحب بالغ حتى بكت قلوبهم، و دمعت اعينهم تاثرا و حبا لرسول لله، وايثارا لما عند الله، فلله دره من معلم و ها هى القصه يرويها لنا ابو سعيد الخدرى – رضى الله عنه
لما اصاب رسول الله الغنائم يوم حنين، و قسم للمؤلفه قلوبهم من قريش و سائر العرب ما قسم، و لم يكن في الانصار شيء منها – قليل و لا كثير – و جد هذا الحى من الانصار في انفسهم حتى قال قائلهم: لقى و الله رسول الله قومه، فمشي سعد بن عباده الى رسول الله، فقال: يا رسول الله، ان هذا الحى من الانصار و جدوا عليك في انفسهم قال: (فيم؟))، قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك و في سائر العرب، و لم يكن فيهم من ذلك شيء، قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (فاين انت من ذلك يا سعد؟))، قال: ما انا الا امرؤ من قومي، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (اجمع لى قومك في هذه الحظيره فاذا اجتمعوا فاعلمني))، فخرج سعد فصرخ فيهم، فجمعهم في تلك الحظيره حتى اذا لم يبق من الانصار احد الا اجتمع له، اتاه، فقال: يا رسول الله، اجتمع لك هذا الحى من الانصار حيث امرتنى ان اجمعهم، فخرج رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فقام فيهم خطيبا، فحمد الله و اثني عليه بما هو اهله، ثم قال: (يا معشر الانصار، الم اتيكم ضلالا فهداكم الله، و عاله فاغناكم الله، و اعداء فالف الله بين قلوبكم؟))، قالوا: بلى قال رسول الله: (الا تجيبونى يا معشر الانصار؟))، قالوا: و ما نقول يا رسول الله و بماذا نجيبك المن لله و رسوله، قال: (والله، لو شئتم لقلتم فصدقتم و صدقتم: جئتنا طريدا فاويناك، و عائلا فاسيناك، و خائفا فامناك، و مخذولا فنصرناك))، فقالوا: المن لله و رسوله، فقال: (اوجدتم في نفوسكم يا معشر الانصار في لعاعه من الدنيا، تالفت بها قوما اسلموا، و وكلتكم الى ما قسم الله لكم من الاسلام، افلا ترضون يا معشر الانصار ان يذهب الناس الى رحالهم بالشاء و البعير، و تذهبون برسول الله الى رحالكم فوالذى نفسى بيده، لو ان الناس سلكوا شعبا و سلكت الانصار شعبا، لسلكت شعب الانصار، و لولا الهجره لكنت امرا من الانصار، اللهم ارحم الانصار، و ابناء الانصار، و ابناء ابناء الانصار))، فبكي القوم حتى اخضلوا لحاهم، و قالوا: رضينا بالله ربا، و رسوله قسما، ثم انصرف و تفرقوا .
الفصل الثالث
مراعاه الظروف و المواقف المختلفة
مما لا شك فيه ان الظروف المختلفه التى تمر بالانسان، لها اثرها على تفكيره و تعامله، و انه قد يتصرف في موقف ما غير تصرفه في موقف اخر، ففى وقت الخوف نقبل من الناس ما لا نقبل منهم وقت الامن، و هم في وقت الفرح يقولون ما لا يقبلون به في وقت الحزن، و لقد راينا كيف كان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – حين يتعامل مع الناس يراعى تلك الحالات الشعوريه التى تختلف عند كل موقف، كما كان يراعى اختلاف احوال الشخص، فلا يكلفه بما لا يطيق او يعنفه في امر لم يكن بيده.
و لننظر الى مواقف الرسول العظيم، و كيف كان متفهما و مدركا لمشاعر اصحابه في كل موقف:
اخذ بنفسى الذى اخذ بنفسك:
فها هو مع بلال – رضى الله عنه – يظهر رفقا و حلما، و لم يعنف مثلما نفعل كثيرا نحن مع الاصحاب و الابناء:
و لنقف مع روايه ابى هريره يحدثنا عن ذلك الموقف:
ان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – حين قفل من غزوه خيبر، فسار ليله حتى اذا ادركه الكري عرس، و قال لبلال: اكلا لنا الليل، فصلي بلال ما قدر له، و نام رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و اصحابه، فلما تقارب الفجر، استند بلال الى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه و هو مستند الى راحلته، فلم يستيقظ بلال و لا احد من اصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – اولهم استيقاظا، ففزع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فقال: اي بلال، فقال بلال: اخذ بنفسى الذى اخذ بنفسك بابى انت و امى يا رسول الله، قال: اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و امر بلالا فاقام الصلاه فصلي بهم الصبح، فلما قضي النبى – صلى الله عليه و سلم – الصلاه قال: من نسى صلاه فليصلها اذا ذكرها؛ فان الله – عز و جل – قال: واقم الصلاه لذكري [طه: 14] .
و هكذا راينا الحبيب يتفهم تعب بلال، و يقدر حالته، فلا يغضب و لا يعنف!
يا عمرو، صليت باصحابك و انت جنب؟
ثم نراه مع عمرو بن العاص ايضا متفهما و رافعا للحرج؛ اذ حدث ان احتلم عمرو بن العاص في ليله بارده و خشى على نفسه ان اغتسل ان يعتل، فتيمم وصلى بالناس، و كان بعض الصحابه شك في هذا الصنيع من عمرو، فذهب الى النبى – صلى الله عليه و سلم – يقول له: ان عمرا صلى بنا و هو جنب قال الرسول: يا عمرو، صليت باصحابك و انت جنب فاخبره بالذى منعه من الاغتسال، لقد خشى على نفسه من قسوه البرد، و الله يقول: ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما [النساء: 29]، فضحك الرسول و لم يقل شيئا .
ليسوا فرارا، و لكنهم الكرار – ان شاء الله عز و جل:
في السنه الثامنه من الهجره جمع الروم جيشا، و اقبل من جهه الشام لقتال النبى – صلى الله عليه و سلم – و اصحابه، بدا – صلى الله عليه و سلم – يجهز جيشا لارساله اليهم، فلم يزل يحث الناس حتى جمع ثلاثه الاف، فزودهم بما و جد من سلاح و عتاد، قال لهم: اميركم زيد بن حارثه فان اصيب زيد فجعفر بن ابى طالب على الناس، فان اصيب جعفر فعبد الله بن رواحه ثم خرج معهم – صلى الله عليه و سلم – يودعهم، و خرج الناس يودعون الجيش و يقولون: صحبكم الله، و دفع عنكم، و ردكم الينا صالحين.
ثم مضي الجيش حتى نزلوا “معان” من ارض الشام، فبلغهم ان هرقل – ملك الروم – قد نزل من ارض البلقاء في ما ئه الف من الروم، و انضم اليه من القبائل حوله ما ئه الف، فصار جيش الروم ما ئتى الف، فلما تيقن المسلمون من ذلك، اقاموا في “معان” ليلتين ينظرون في امرهم، فقال بعضهم: نكتب الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – نخبره بعدد عدونا، فاما ان يمدنا بالرجال، او يامرنا بما يشاء، فنمضى له، و كثر كلام الناس في ذلك، فقام عبد الله بن رواحه ثم صاح بالناس، و قال: يا قوم، و الله ان التى تكرهون، هى التى خرجتم تطلبون، الشهاده في سبيل الله، تفرون منها، و ما نقاتل الناس بعدد و لا قوه و لا كثره ما نقاتلهم الا بهذا الدين الذى اكرمنا الله به، فانطلقوا فانما هى احدي الحسنيين: اما ظهور، واما شهاده فمضي الناس يسيرون، حتى اذا دنوا من جيش الروم في موقعة: “مؤتة”، فاذا اعداد عظيمه لا قبل لاحد بها.
قال ابو هريره – رضى الله عنه شهدت يوم “مؤتة”، فلما دنا منا المشركون، راينا ما لا قبل لاحد به من العده و السلاح، و الكراع، و الديباج، و الحرير، و الذهب، فبرق بصري، فقال لى ثابت بن ارقم: يا ابا هريره كانك تري جموعا كثيرة قلت: نعم، قال: انك لم تشهد بدرا معنا، انا لم ننصر بالكثره ثم التقي الناس، فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثه برايه رسول الله – صلى الله عليه و سلم – حتى كثرت عليه الرماح، و سقط صريعا شهيدا، فاخذ الرايه جعفر – بكل بطوله – فاقتحم عن فرس له شقراء، فجعل يقاتل القوم.
اخذ جعفر اللواء بيمينه فقطعت، فاخذ اللواء بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل – و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنه – قال ابن عمر: و قفت على جعفر يومئذ و هو قتيل، فعددت به خمسين: بين طعنه و ضربه ليس منها شيء في دبره، فاثابه الله بذلك جناحين في الجنه يطير بهما حيث يشاء.
ان رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربه فقطعته نصفين، فلما قتل جعفر، اخذ عبد الله بن رواحه الرايه ثم تقدم بها و هو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، و يتردد بعض التردد، و يقول:
اقسمت يا نفس لتنزلنه = طائعه او لتكرهنه
ان اجلب الناس و شدوا الرنه =  ما لى اراك تكرهين الجنه
ثم قال:
يا نفس الا تقتلى تموتي  =  هذا حمام الموت قد صليت
و ما تمنيت فقد اعطيت  =  ان تفعلى فعلهما هديت
ثم نزل، فلما نزل اتاه ابن عم له بعرق من لحم، شد بهذا صلبك؛ فانك قد لقيت في ايامك هذه ما لقيت، فاخذه من يده، فانتهش منه نهشه ثم سمع الحطمه في ناحيه الناس، فقال: و انت في الدنيا فالقاه من يده، ثم اخذ سيفه ثم تقدم، فقاتل حتى قتل – رضى الله عنه – فوقعت الرايه و اضطرب المسلمون، و ابتهج الكافرون و الرايه تطؤها الخيل و يعلوها الغبار، فاقبل البطل ثابت بن ارقم، ثم رفعها، و صاح: يا معاشر المسلمين، هذه الرايه فاصطلحوا على رجل منكم، فتصايح من سمعه و قالوا: انت، انت، قال: ما انا بفاعل، فاشاروا الى خالد بن الوليد، فلما اخذ الرايه قاتل بقوه حتى انه كان يقول: لقد اندق في يدى يوم مؤته تسعه اسياف، فما بقى في يدى الا صفيحه يمانيه ثم انحاز خالد بالجيش، و انحاز الروم الى معسكرهم.
خشى خالد ان يرجع بالجيش الى المدينه من ليلته، فيتبعهم الروم، فلما اصبحوا غير خالد مواقع الجيش، فجعل مقدمه الجيش في المؤخره وجعل مؤخره الجيش مقدمه و من كانوا يقاتلون في يمين الجيش امرهم بالانتقال الى يساره، و امر من في الميسره ان يذهبوا للميمنه فلما ابتدا القتال و اقبل الروم، فاذا كل سريه منهم تري رايات جديده و وجوها جديده فاضطرب الروم و قالوا: قد جاءهم في الليل مدد، فرعبوا في القتال، فقتل المسلمون منهم مقتله عظيمه و لم يقتل من المسلمين الا اثنا عشر رجلا، و انسحب خالد بالجيش اخر النهار من ساحه القتال، ثم و اصل مسيره نحو المدينه فلما اقبلوا الى المدينه لقيهم الصبيان يتراكضون اليهم، و لقيتهم النساء، فجعلوا يحثون التراب في وجوه الجيش، و يقولون يا فرار، فررتم في سبيل الله، فلما سمع النبى – صلى الله عليه و سلم – ذلك، علم انهم لم يكن امامهم الا ذلك، و انهم فعلوا ما بوسعهم، فقال – صلى الله عليه و سلم – مدافعا عنهم: (ليسوا بالفرار، و لكنهم الكرار – ان شاء الله عز و جل)).
نعم، انتهي الامر، و هم ابطال ما قصروا، لكنهم بشر، و الامر كان فوق طاقتهم .
الفصل الرابع
التعامل مع المتربصين
لا يزال صراع الحق و الباطل قائما الى يوم الدين، و لا يزال الذين يتمنون القضاء على هذا الدين يتمنون فرصه للنيل منه و القضاء عليه، و لم يخل عهد رسول الله من هؤلاء، بعضهم يدفعه الجهل، و البعض الاخر يدفعه حقد مقيت و بغض للحق و اهله، فكيف تعامل رسول الانسانيه مع هؤلاء المتربصين به و بدين الله، يبغون فتنه في الارض و افسادا؟
ها هى احدي المواقف نري فيه حسن تعامل القائد و الداعيه مع المتربص به يريد قتله.
من يمنعك مني؟
في احدي الغزوات و في طريق العوده الى المدينه نزل الجيش الاسلامى – حين ادركته القائله – في و اد كثير العضاه – و هو نبات شوكى – فنزل رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و تفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، و نزل رسول الله – صلى الله عليه و سلم – تحت سمره فعلق بها سيفه.
قال جابر: فنمنا نومه ثم اذا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يدعونا فجئناه، فاذا عنده اعرابى جالس، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (ان هذا اخترط سيفى و انا نائم، فاستيقظت و هو في يده صلتا، فقال لي: من يمنعك مني قلت: الله، فسقط السيف من يده، فها هو ذا جالس))، و لم يعاقبه رسول الله – صلى الله عليه و سلم .
و عفا النبى – صلى الله عليه و سلم – عن هذا الاعرابي، فخلق العفو سجيه طبعيه في تلك النفس الزكية؛ وانك لعلي خلق عظيم [القلم: 4]، وما ارسلناك الا رحمه للعالمين [الانبياء: 107] .
ماذا كنت تحدث به نفسك؟
اراد فضاله بن عمير بن الملوح الليثى قتل النبى – صلى الله عليه و سلم – و هو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (افضالة؟))، قال: نعم، فضاله يا رسول الله، قال: (ماذا كنت تحدث به نفسك))، قال: لا شيء، كنت اذكر الله، قال: فضحك النبى – صلى الله عليه و سلم – ثم قال: (استغفر الله))، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضاله يقول: و الله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شيء احب الى منه.
رحله الطائف:
لما ما ت ابو طالب، ضيقت قريش كثيرا على النبى – صلى الله عليه و سلم – في مكه و نالت من الاذي ما لم تكن نالته منه في حياه عمه ابى طالب، فجعل – صلى الله عليه و سلم – يفكر في مكان اخر يلجا اليه يجد فيه النصره و التاييد، فخرج الى الطائف يلتمس من قبيله ثقيف النصره و المنعه دخل الطائف فتوجه الى ثلاثه رجال هم ساده ثقيف و اشرافهم، و هم اخوه ثلاثة: عبدياليل بن عمرو، و اخوه مسعود، و حبيب، جلس اليهم، و دعاهم الى الله، و كلمهم لما جاءهم له: من نصرته على الاسلام، و القيام معه على من خالفه من قومه، و كان ردهم بذيئا!!
اما احدهم، فقال: انا امرط ثياب الكعبه ان كان الله ارسلك!
و قال الاخر: اما و جد الله احدا يرسله غيرك؟!
وجعل الثالث يبحث متحذلقا عن عباره يرد بها، و حرص على ان تكون ابلغ من كلام صاحبيه، فقال: و الله لا ارد عليك ابدا، لئن كنت رسولا من الله – كما تقول – لانت اعظم خطرا من ان ارد عليك الكلام، و لئن كنت تكذب على الله، فما ينبغى لى ان اكلمك.
فقام – صلى الله عليه و سلم – من عندهم و قد يئس من خير ثقيف، و خشى ان تعلم قريش انهم ردوه، فيزدادوا ايذاء له، فقال لهم: ان فعلتم ما فعلتم، فاكتموا علي، فلم يفعلوا، بل اغروا به سفهاءهم و عبيدهم، فجعلوا يركضون و راء رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يسبونه و يصيحون به و قد اصطفوا صفين و هو يسرع الخطي بينهم، و كلما رفع رجلا رضخوها بالحجاره و هو – صلى الله عليه و سلم – يحاول ان يسرع في خطاه؛ ليتقى ما يرمونه به من حجاره وجعلت قدماه الشريفتان تسيلان بالدماء و هو الكهل الذى جاوز الاربعين، فابعد عنهم و مشي حتى جلس في موضع امن يستريح تحت ظل نخله و هو منشغل البال: كيف ستستقبله قريش كيف سيدخل مكة فرفع طرفه الى السماء، و قال: اللهم اليك اشكو ضعف قوتي، و قله حيلتي، و هوانى على الناس، يا ارحم الراحمين، انت رب المستضعفين، و انت ربي، الى من تكلني الى بعيد يتجهمنى ام الى عدو ملكته امري؟!
ان لم يكن بك غضب علي، فلا ابالي، و لكن عافيتك هى اوسع لي، اعوذ بنور و جهك الذى اشرقت له الظلمات، وصلح عليه امر الدنيا و الاخره من ان ينزل بى غضبك، او يحل على سخطك، لك العتبي حتى ترضى، و لا حول و لا قوه الا بك، فبينما هو كذلك، فاذا بسحابه تظله، و اذا فيها جبريل – عليه السلام – فناداه:
يا محمد، ان الله قد سمع قول قومك لك، و ما ردوا عليك، و قد بعث لك ملك الجبال لتامره بما شئت فيهم، و قبل ان ينطق – صلى الله عليه و سلم – بكلمه ناداه ملك الجبال: السلام عليك يا رسول الله، يا محمد، ان الله قد سمع قول قومك لك، و انا ملك الجبال، قد بعثنى اليك ربك لتامرنى ما شئت، ثم قبل ان ينطق – صلى الله عليه و سلم – او يختار جعل ملك الجبال يعرض عليه، و يقول: ان شئت تطبق عليهم الاخشبين، وجعل ملك الجبال ينتظر الامر، اذا به – صلى الله عليه و سلم – يطا على حظوظ النفس و شهوه الانتقام، و يقول:
(بل استانى بهم؛ فانى ارجو ان يخرج الله من اصلابهم من يعبدالله لا يشرك به شيئا))  .
الفصل الخامس
التعامل مع الاخطاء
لم يكن المجتمع المسلم مجتمعا ملائكيا، و انما كان مجتمعا قرانيا، يعلمه رسول الله و يربيه على المنهج القرانى الفريد.
و قد كانت تحدث منه الاخطاء: صغيرها، و كبيرها، فكان الرسول – صلى الله عليه و سلم – يتعامل مع كل موقف، و مع كل خطا بما يناسبه، فليست كل الاخطاء سواء، و بالتالى لا يكون العلاج واحدا.
اراد النبى الكريم ان يضع لنا منهجا نسترشد به في التعامل مع الاخطاء التى يقوم بها افراد المجتمع، فعلمنا كيف نعلم الناس، متى نعفو عنهم، و متى نعاقبهم، متى نتغافل، و متى نتوقف و نصحح، كما علمنا ان نستوثق من و قوع الخطا اولا؛ حتى لا نرمى الناس بالظنون، فنحسن الظن بهم، ثم نقدم النصح و التوجيه المناسب لكل حالة.
و لنذكر هنا نوعين من الاخطاء تعامل معهما رسول الله و علمنا كيف يكون العلاج معهما:
الاخطاء الفرديه التى لا تؤثر الا على المخطئ:
و قد كان نهجه فيها – صلى الله عليه و سلم – الرفق و الحلم، و العفو عمن اخطا عن جهل او عن سوء فهم:
منها ذلك الموقف الذى حدث مع الاعرابى الذى بال في المسجد جاهلا انه بيت الله، و انه مكان عباده وصلاة!
جلس رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يوما في مجلسه المبارك يحدث اصحابه، فبينما هم على ذلك، فاذا برجل يدخل الى المسجد، يلتفت يمينا و يسارا، فبدل ان ياتى و يجلس في حلقه النبى – صلى الله عليه و سلم – توجه الى زاويه من زوايا المسجد، ثم جعل يحرك ازاره عجبا: ماذا سيفعل رفع طرف ازاره من الامام، ثم جلس بكل هدوء يبول، عجب الصحابه و ثاروا: يبول في المسجد؟!
وجعلوا يتقافزون ليتوجهوا اليه و النبى – صلى الله عليه و سلم – يهدئهم و يسكن غضبهم، و يردد: لا تزرموه، لا تعجلوا عليه، لا تقطعوا عليه بوله.
و النبى – صلى الله عليه و سلم – يري هذا المنظر، بول في المسجد و يهدئ اصحابه!
حتى اذا انتهي الاعرابى من بوله، و قام يشد على و سطه ازاره، دعاه النبى – صلى الله عليه و سلم – بكل رفق، اقبل يمشى حتى اذا و قف بين يديه، قال له بكل رفق: ان هذه المساجد لم تبن لهذا، انما بنيت للصلاه و قراءه القران، ففهم الرجل ذلك و مضى، فلما جاء وقت الصلاه اقبل ذاك الاعرابى وصلى معهم، كبر النبى – صلى الله عليه و سلم – باصحابه مصليا، فقرا ثم ركع، فلما رفع – صلى الله عليه و سلم – من ركوعه، قال: سمع الله لمن حمده، فقال المامومون: ربنا و لك الحمد، الا هذا الرجل قالها، و زاد بعدها: اللهم ارحمنى و محمدا، و لا ترحم معنا احدا!
و سمعه النبى – صلى الله عليه و سلم – فلما انتهت الصلاه التفت – صلى الله عليه و سلم – اليهم و سالهم عن القائل، فاشاروا اليه، فناداه النبى – صلى الله عليه و سلم – فلما و قف بين يديه، فاذا هو الاعرابى نفسه، و قد تمكن حب النبى – صلى الله عليه و سلم – من قلبه، حتى و د لو ان الرحمه تصيبهما دون غيرهما، فقال له – صلى الله عليه و سلم – معلما: لقد حجرت و اسعا؛ اي: ان رحمه الله تعالى تسعنا جميعا و تسع الناس، فلا تضيقها على و عليك.
فانظر كيف ملك عليه قلبه؛ لانه عرف كيف يتصرف معه، فهو اعرابى اقبل من باديته، لم يبلغ من العلم رتبه ابى بكر و عمر، و لا معاذ و عمار، فلا يؤاخذ كغيره .
و هذا معاويه بن الحكم السلمي، اتي المدينه يسال الرسول عن خاصه اموره و يتعلم منه، فيحدث معه ذلك الموقف الذى يرويه:
قلت لرسول الله – صلى الله عليه و سلم انى حديث عهد بجاهليه فجاء الله بالاسلام، وان رجالا منا يتطيرون، قال: ذلك يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم، قال: يا رسول الله، و رجال منا ياتون الكهنة قال: فلا ياتوهم، قال: يا رسول الله، و رجال منا يخطون قال: كان نبى من الانبياء يخط، فمن و افق خطه، فذاك، قال: و بينا انا مع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – في الصلاه اذ عطس رجل من القوم؛ فقلت: يرحمك الله، فحدقنى القوم بابصارهم، قال: فقلت: و اثكل امياه ما لكم تنظرون الي، فضرب القوم بايديهم على افخاذهم، فلما رايتهم يسكتوني، لكنى سكت، فلما انصرف رسول الله – صلى الله عليه و سلم – دعاني، فبابى هو و امى ما رايت معلما قبله و لا بعده احسن تعليما منه، و الله ما ضربنى و لا كهرنى و لا سبني، فقال: ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، و انما هى التسبيح و التكبير و تلاوه القران .
هذا تعامله مع اعرابى بال في المسجد، و رجل تكلم في الصلاه عاملهم مراعيا احوالهم؛ لان الخطا من مثلهم لا يستغرب.
اخطاء تؤثر في الجميع:
تلك كانت اخطاء لا خوف منها على المجتمع، فعلم رسول الله اصحابها و ارشدهم الى الصواب في رفق و حلم، لكن هناك في المجتمع نوع اخر من الاخطاء لا يمكن السكوت عنه و لا التغاضى عن اصحابه؛ لان لها اثرها الكبير في المجتمع، “وذلك كان يحدث خطا شرعى من اشخاص لهم حيثيه خاصه او تجاوز الخطا حدود الفرديه و الجزئيه و اخذ يمثل بدايه فتنه او انحراف عن المنهج، على ان هذا الغضب يكون غضبا توجيهيا، من غير اسفاف و لا اسراف، بل على قدر الحاجة” .
امتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟
و لقد غضب رسول الله من عمر بن الخطاب – المبشر بالجنه – و لم يتساهل معه عندما شعر بخطر يمكن ان يهدد الدين و ثباته في قلوب اصحابه، و ذلك حين اتاه عمر و معه نسخه من التوراه ليقراها عليه – صلى الله عليه و سلم – فها هو جابر – رضى الله عنه – يروى لنا ذلك الموقف:
اتي عمر بن الخطاب النبى – صلى الله عليه و سلم – بكتاب اصابه من بعض اهل الكتاب، فقراه على النبى – صلى الله عليه و سلم – قال: فغضب و قال: (امتهوكون فيها يا ابن الخطاب و الذى نفسى بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقيه لا تسالوهم عن شيء، فيخبروكم بحق، فتكذبوا به، او بباطل، فتصدقوا به، و الذى نفسى بيده، لو ان موسي كان حيا، ما و سعه الا ان يتبعني))  .
كلمه و اضحه لا تحتمل تاويلا، انها مرحله لا زال القران يتنزل فيها، وان الرسول – صلى الله عليه و سلم – حريص على الا يدخل الشك او الخلط قلوب اتباعه، فكان النهى الصريح الواضح.
افتان انت يا معاذ؟!
ثم تراه – صلى الله عليه و سلم – يغضب من تطويل بعض اصحابه الصلاه و هم ائمه بعد ان كان – صلى الله عليه و سلم – نهي عن ذلك؛ لما فيه من تعسير و مشقه و لما يؤدى اليه من فتنه لبعض الضعفاء و المعذورين و ذوى الاشغال، يوجه صحابته الى تصحيح هذا الخطا؛ لانه قد ينفر الناس عن الدين، و يبعدهم عنه.
يروى لنا ابو مسعود الانصارى – رضى الله عنه – قال: قال رجل: يا رسول الله، لا اكاد ادرك الصلاه مما يطول بنا فلان، فما رايت النبى – صلى الله عليه و سلم – في موعظه اشد غضبا من يومئذ، فقال: (ايها الناس، انكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف؛ فان فيهم المريض و الضعيف و ذا الحاجة) .
و ها هو يقول الشيء نفسه لمعاذ – رضى الله عنه – فقد كان معاذ بن جبل من اقرب الصحابه الى رسول الله، و من اكثرهم حرصا على طلب العلم، فكان تعامل النبى – صلى الله عليه و سلم – مع اخطائه مختلفا عن تعامله مع اخطاء غيره.
كان معاذ يصلى مع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – العشاء، ثم يرجع فيصلى بقومه العشاء اماما بهم في مسجدهم، فتكون الصلاه له نافله و لهم فريضه رجع معاذ ذات ليله لقومه و دخل مسجدهم، فكبر مصليا بهم، اقبل فتى من قومه و دخل معه في الصلاه فلما اتم معاذ الفاتحه قال ولا الضالين}، فقالوا: امين}، ثم افتتح معاذ سوره البقره كان الناس في تلك الايام يتعبون في العمل في مزارعهم و رعيهم دوابهم طوال النهار، ثم لا يكادون يصلون العشاء حتى ياووا الى فرشهم، و قف هذا الشاب في الصلاه و معاذ يقرا و يقرا، فلما طالت الصلاه على الفتى، اتم صلاته و حده، و خرج من المسجد و انطلق الى بيته، انتهي معاذ من الصلاه فقال له بعض القوم: يا معاذ، فلان دخل معنا في الصلاه ثم خرج منها لما اطلت، فغضب معاذ، و قال: ان هذا به لنفاق، لاخبرن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بالذى صنع، فابلغوا ذلك الشاب بكلام معاذ، فقال الفتى: و انا لاخبرن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بالذى صنع، فغدوا على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فاخبره معاذ بالذى صنع الفتى، فقال الفتى: يا رسول الله، يطيل المكث عندك، ثم يرجع فيطيل علينا الصلاه و الله يا رسول الله، انا لنتاخر عن صلاه العشاء مما يطول بنا معاذ، فسال الله النبى – صلى الله عليه و سلم – معاذا: ماذا تقرا؟!
فاذا بمعاذ يخبره انه يقرا بالبقره وجعل يعدد السور الطوال، فغضب النبى – صلى الله عليه و سلم – لما علم ان الناس يتاخرون عن الصلاه بسبب الاطاله و كيف صارت الصلاه ثقيله عليهم، فالتفت الى معاذ و قال: (افتان انت يا معاذ يعنى تريد ان تفتن الناس و تبغضهم في دينهم، اقرا ب والسماء و الطارق [الطارق: 1]، والسماء ذات البروج [البروج: 1]، والشمس و ضحاها [الشمس: 1]، والليل اذا يغشى [الليل: 1] .
و قد غضب الرسول – صلى الله عليه و سلم – ايضا من اختصام الصحابه و تجادلهم في القدر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضى الله عنهما – قال: خرج رسول الله على اصحابه، و هم يختصمون في القدر، فكانما يفقا في و جهه حب الرمان من الغضب، فقال: (بهذا امرتم او لهذا خلقتم تضربون القران بعضه ببعض بهذا هلكت الامم قبلكم) .
اتكلمنى في حد من حدود الله؟
اما ذلك الخطا، فهو اكبر من ان يتهاون فيه، او يسكت عنه؛ انه يتعلق بحد من حدود الله!
قال عروه بن الزبير: ان امرأة سرقت في عهد رسول الله – صلى الله عليه و سلم – في غزوه الفتح، ففزع قومها الى اسامه بن زيد يستشفعونه، قال عروة: فلما كلمه اسامه فيها، تلون وجه رسول الله، فلما كان العشي، قام رسول الله خطيبا، فاثني على الله بما هو اهله، ثم قال: (اما بعد، فانما اهلك الناس قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه، و اذا سرق فيهم الضعيف، اقاموا عليه الحد، و الذى نفس محمد بيده، لو ان فاطمه بنت محمد سرقت، لقطعت يدها) ، ثم امر رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بتلك المرأة فقطعت يدها.
فحسنت توبتها بعد ذلك و تزوجت، قالت عائشة: فكانت تاتينى بعد ذلك، فارفع حاجتها الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم.
و هكذا يكون البناء التربوى للامه حين نري العدل في اقامه شرع الله على القريب و البعيد على حد سواء، فالناس هنا امام تشريع ربانى لا يفرق بين الناس، فهم كلهم امام رب العالمين سواء، و اصبحت معايير الشرف هى الالتزام باوامر الله تعالى، و في هذا الموقف الذى اثار غضب رسول الله الشديد و اهتمامه الكبير – عبره للمسلمين؛ حتى لا يتهاونوا في تنفيذ احكام الله تعالى، او يشفعوا لدي الحاكم، من اجل تعطيل الحدود الاسلاميه .
هلا شققت عن قلبه؟
و ها هو موقف اخر يحدث مع اسامه بن زيد، و هو الحب بن الحب:
بعث النبى – صلى الله عليه و سلم – اصحابه الى الحرقات من قبيله جهينه و كان اسامه بن زيد من ضمن المقاتلين بالجيش، ابتدا القتال في الصباح، انتصر المسلمون و هرب مقاتلو العدو، كان من بين جيش العدو رجل يقاتل، فلما راى اصحابه منهزمين، القي سلاحه و هرب، فلحقه اسامه و معه رجل من الانصار، ركض الرجل و ركضوا خلفه و هو يشتد فزعا، حتى عرضت لهم شجره فاحتمي الرجل بها، فاحاط به اسامه و الانصاري، و رفعا عليه السيف، فلما راى الرجل السيفين يلتمعان فوق راسه، و احس الموت يهجم عليه، انتفض وجعل يجمع ما تبقي من ريقه في فمه، و يردد فزعا: اشهد ان لا اله الا الله، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، تحير الانصارى و اسامة: هل اسلم الرجل فعلا ام انها حيله افتعلها؟
كانوا في ساحه قتال و الامور مضطربه يتلفتون حولهم، فلا يرون الا اجسادا ممزقه وايادى مقطعه قد اختلط بعضها ببعض، الدماء تسيل، النفوس ترتجف، الرجل بين ايديهما ينظران اليه، لا بد من الاسراع باتخاذ القرار، ففى اي لحظه قد ياتى سهم طائش او غير طائش، فيرديهما قتيلين، لم يكن هناك مجال للتفكير الهادئ، فاما الانصاري، فكف سيفه، واما اسامه فظن انها حيله فضربه بالسيف حتى قتله، عادوا الى المدينه تداعب قلوبهم نشوه الانتصار.
و قف اسامه بين يدى النبى – صلى الله عليه و سلم – و حكي له قصه المعركه و اخبره بخبر الرجل و ما كان منه، كانت قصه المعركه تحكى انتصارا للمسلمين، و كان – صلى الله عليه و سلم – يستمع مبتهجا، لكن اسامه قال: ثم قتلته، فتغير النبى – صلى الله عليه و سلم – و قال: (قال: لا اله الا الله، ثم قتلته؟!))، قلت: يا رسول الله، لم يقلها من قبل نفسه، انما قالها فرقا من السلاح، فقال – صلى الله عليه و سلم (قال: لا اله الا الله، ثم قتلته هلا شققت عن قلبه؛ حتى تعلم انه انما قالها فرقا من السلاح)).
وجعل – صلى الله عليه و سلم – يحد بصره الى اسامه و يكرر: (قال: لا اله الا الله ثم قتلته قال: لا اله الا الله ثم قتلته ثم قتلته كيف لك بلا اله الا الله اذا جاءت تحاجك يوم القيامة!)).
و ما زال – صلى الله عليه و سلم – يكرر ذلك على اسامه قال اسامة: فما زال يكررها على حتى و ددت انى لم اكن اسلمت الا يومئذ .
الفصل السادس
التعامل مع القاده و الرموز
كان رسول الله يتعامل بفن مع القاده فينزلهم منازلهم، و يعرف لهم قدرهم؛ لذلك كانوا حين يتعاملون مع رسول الله، يدركون عظمه النبوه فيه، و يدخلون في هذا الدين العظيم الذى يعرف لكل انسان قدره و مكانته.
و لننظر في تلك المواقف العملية؛ لنري كيف تعامل الرسول مع بعض القاده و الزعماء في قومهم:
ما مثل سهيل يجهل الاسلام:
قال سهيل بن عمرو: لما دخل رسول الله – صلى الله عليه و سلم – مكه و ظهر، انقحمت بيتى و اغلقت على بابي، و ارسلت الى ابنى عبد الله بن سهيل ان اطلب لى جوارا من محمد، و انى لا امن من ان اقتل، وجعلت اتذكر اثرى عند محمد و اصحابه، فليس احد اسوا اثرا مني، و انى لقيت رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يوم الحديبيه بما لم يلحقه احد، و كنت الذى كاتبته، مع حضورى بدرا واحدا، و كلما تحركت قريش كنت فيها، فذهب عبد الله بن سهيل الى رسول الله فقال: يا رسول الله، تؤمنه فقال: (نعم))، هو امن بامان الله، فليظهر، ثم قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم – لمن حوله: (من لقى سهيل بن عمرو، فلا يشد النظر اليه، فليخرج، فلعمرى ان سهيلا له عقل و شرف، و ما مثل سهيل يجهل الاسلام، و لقد راى ما كان يوضع فيه انه لم يكن له بنافع))، فخرج عبد الله الى ابيه، فقال سهيل: كان و الله برا، صغيرا و كبيرا، فكان سهيل يقبل و يدبر، و خرج الى حنين مع النبى – صلى الله عليه و سلم – و هو على شركه حتى اسلم بالجعرانه .
لقد كان لهذه الكلمات التربويه الاثر الكبير على سهيل بن عمرو؛ حيث اثني على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بالبر طوال عمره، ثم دخل في الاسلام بعد ذلك، و قد حسن اسلامه، و كان مكثرا من الاعمال الصالحه يقول الزبير بن بكار: كان سهيل بعد كثير الصلاه و الصوم و الصدقه خرج بجماعته الى الشام مجاهدا، و يقال: انه صام و تهجد؛ حتى شحب لونه و تغير، و كان كثير البكاء اذا سمع القران، و كان اميرا على كردوس يوم اليرموك .
ياتيكم عكرمه مهاجرا مؤمنا، فلا تسبوا اباه:
قال عبد الله بن الزبير – رضى الله عنه قالت ام حكيم امرأة عكرمه بن ابى جهل: يا رسول الله، قد هرب عكرمه منك الى اليمن، و خاف ان تقتله، فامنه، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (هو امن))، فخرجت ام حكيم في طلبه و معها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت على حى من عك، فاستغاثتهم عليه فاوثقوه رباطا، و ادركت عكرمه و قد انتهي الى ساحل من سواحل تهامه فركب البحر، فجعل نوتى السفينه يقول له: اخلص، فقال: اي شيء اقول قال: قل لا اله الا الله، قال عكرمة: ما هربت الا من هذا، فجاءت ام حكيم على هذا الكلام، فجعلت تلح عليه، و تقول: يا ابن عم، جئتك من عند اوصل الناس، و ابر الناس، و خير الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى ادركته، فقالت: انى قد استامنت لك محمدا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – قال: انت فعلت قالت: نعم، انا كلمته فامنك، فرجع معها، و قال: ما لقيت من غلامك الرومي فخبرته خبره، فقتله عكرمه و هو يومئذ لم يسلم، فلما دنا من مكه قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم – لاصحابه: (ياتيكم عكرمه بن ابى جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا اباه، فان سب الميت يؤذى الحى و لا يبلغ الميت)).
قال: وجعل عكرمه يطلب امراته يجامعها، فتابي عليه، و تقول: انك كافر و انا مسلمه فيقول: ان امرا منعك منى لامر كبير، فلما راى النبى – صلى الله عليه و سلم – عكرمه و ثب اليه و ما على النبى – صلى الله عليه و سلم – رداء فرحا بعكرمه ثم جلس رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فوقف بين يديه، و زوجته منتقبه فقال: يا محمد، ان هذه اخبرتنى انك امنتني، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (صدقت، فانت امن))، فقال عكرمة: فالام تدعو يا محمد قال: (ادعوك الى ان تشهد ان لا اله الا الله، و انى رسول الله، وان تقيم الصلاه و تؤتى الزكاه و تفعل و تفعل))، حتى عد خصال الاسلام، فقال عكرمة: و الله ما دعوت الا الى الحق، و امر حسن جميل، قد كنت و الله فينا قبل ان تدعو الى ما دعوت اليه و انت اصدقنا حديثا، و ابرنا برا، ثم قال عكرمة: فانى اشهد ان لا اله الا الله، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، فسر بذلك رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ثم قال: يا رسول الله، علمنى خير شيء اقوله، قال: (تقول: اشهد ان لا اله الا الله، وان محمدا عبده و رسوله))، قال عكرمة: ثم ماذا قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (تقول: اشهد الله و اشهد من حضر انى مسلم مهاجر و مجاهد))، فقال عكرمه ذلك.
فقال رسول الله: (لا تسالنى اليوم شيئا اعطيه احدا، الا اعطيتكه))، فقال عكرمة: فانى اسالك ان تستغفر لى كل عداوه عاديتكها، او مسير وضعت فيه، او مقام لقيتك فيه، او كلام قلته في و جهك، او و انت غائب عنه، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (اللهم اغفر له كل عداوه عادانيها، و كل مسير سار فيه الى موضع يريد بذلك المسير اطفاء نورك، فاغفر له ما نال منى من عرض: في و جهي، او و انا غائب عنه))، فقال عكرمة: رضيت يا رسول الله، لا ادع نفقه كنت انفقها في صد عن سبيل الاسلام، الا انفقت ضعفها في سبيل الله، و لا قتالا كنت اقاتل في صد عن سبيل الله، الا ابليت ضعفه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل شهيدا.
و بعد ان اسلم رد رسول الله – صلى الله عليه و سلم – امراته له بذلك النكاح الاول.
كان سلوك النبى – صلى الله عليه و سلم – في تعامله مع عكرمه لطيفا حانيا، يكفى و حده لاجتذابه الى الاسلام، فقد اعجل نفسه عن لبس ردائه، و ابتسم له و رحب به، و في روايه قال له: (مرحبا بالراكب المهاجر))، فتاثر عكرمه من ذلك الموقف، فاهتزت مشاعره و تحركت احاسيسه، فاسلم، كما كان لموقف ام حكيم بنت الحارث بن هشام اثر في اسلام زوجها، فقد اخذت له الامان من رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و غامرت بنفسها تبحث عنه لعل الله يهديه الى الاسلام كما هداها اليه، و عندما ارادها زوجها امتنعت عنه، و عللت ذلك بانه كافر و هى مسلمه فعظم الاسلام في عينه، و ادرك انه امام دين عظيم، و هكذا خطت ام حكيم في فكر عكرمه بدايه التفكير في الاسلام، ثم توج باسلامه بين يدى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و كان صادقا في اسلامه، فلم يطلب من رسول الله – صلى الله عليه و سلم – دنيا، و انما ساله ان يغفر الله تعالى له كل ما و قع فيه من ذنوب ما ضيه ثم اقسم امام النبى – صلى الله عليه و سلم – بان يحمل نفسه على الانفاق في سبيل الله تعالى بضعف ما كان ينفق في الجاهليه وان يبلى في الجهاد في سبيل الله بضعف ما كان يبذله في الجاهليه و لقد بر بوعده، فكان من اشجع المجاهدين و القاده في سبيل الله  تعالى في حروب الرده ثم في فتوح الشام، حتى و قع شهيدا في معركه اليرموك، بعد ان بذل نفسه و ما له في سبيل الله .
ما عندك يا ثمامة:
و هنا موقف يوضح لنا رفق الرسول و حرصه على دعوه القاده و تاليف قلوبهم دون غلظه او اذلال، و هنا نري كيف كان رد فعل ثمامه بعد ان عامله الرسول – صلى الله عليه و سلم – بالحسني و القول الطيب:
كانت اول حمله عسكريه و جهها النبى – صلى الله عليه و سلم – لتاديب خصومه بعد غزوه الاحزاب، هى تلك الحمله التى جردها على القبائل النجديه من بنى بكر بن كلاب، الذين كانوا يقطنون القرطاء بناحيه ضربه على مسافه سبع ليال من المدينه ففى اوائل شهر المحرم عام خمسه للهجره و بعد الانتهاء مباشره من القضاء على يهود بنى قريظه وجه – صلى الله عليه و سلم – سريه من ثلاثين من اصحابه عليهم محمد بن مسلمه لشن الغاره على بنى القرطاء من قبيله بكر بن كلاب، و ذلك في العاشر من محرم سنه 6ه، و قد داهموهم على حين غره فقتلوا منهم عشره و فر الباقون، و غنم المسلمون ابلهم و ما شيتهم، و في طريق عودتهم اسروا ثمامه بن اثال الحنفى سيد بنى حنيفه و هم لا يعرفونه، فقدموا به المدينه و ربطوه بساريه من سوارى المسجد، فخرج اليه النبى – صلى الله عليه و سلم – فقال: ماذا عندك يا ثمامة فقال: عندى خير يا محمد، ان تقتلني، تقتل ذا دم، وان تنعم، تنعم على شاكر، وان كنت تريد المال، فسل منه ما شئت، فتركه حتى كان الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة فقال: عندى ما قلت لك، ان تنعم، تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة فقال عندى ما قلت لك، فقال: اطلقوا ثمامه فانطلق الى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: اشهد ان لا اله الا الله، و اشهد ان محمدا رسول الله، يا محمد، و الله ما كان على الارض وجه ابغض الى من و جهك، فقد اصبح و جهك احب الوجوه الي، و الله ما كان دين ابغض الى من دينك، فاصبح دينك احب الدين الي، و الله ما كان بلد ابغض الى من بلدك، فاصبحت بلدك احب البلاد الي، وان خيلك اخذتنى و انا اريد العمره فماذا ترى فبشره رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و امره ان يعتمر، فلما قدم مكه قال له قائل: صبوت قال: لا و الله، و لكنى اسلمت مع محمد رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و لا و الله، لا ياتيكم من اليمامه حبه حنطة؛ حتى ياذن فيها النبى – صلى الله عليه و سلم .
و قد ابر بقسمه؛ مما دفع وجوه مكه الى ان يكتبوا الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يسالونه بارحامهم ان يكتب الى ثمامة؛ ليخلى لهم حمل الطعام، فاستجاب النبى – صلى الله عليه و سلم – لرجاء قومه بالرغم انه في حاله حرب معهم، و كتب الى سيد بنى حنيفه ثمامة: ان خل بين قومى و بين ميرتهم، فامتثل ثمامه امر نبيه، و سمح لبنى حنيفه باستئناف ارسال المحاصيل الى مكه فارتفع عن اهلها كابوس المجاعه .
يا عدى بن حاتم، اسلم، تسلم:
عندما و قعت اخت عدى بن حاتم في اسر المسلمين، عاملها رسول الله معامله كريمه و بقيت معززه مكرمه ثم كساها النبى – صلى الله عليه و سلم – و اعطاها ما تتبلغ به في سفرها، و عندما وصلت الى اخيها في الشام، شجعته على الذهاب لرسول الله – صلى الله عليه و سلم – فتاثر بنصيحتها و قدم على المدينه .
و نترك ابا عبيده بن حذيفه يحدثنا عن قصه اسلام عدي:
قال ابو عبيده بن حذيفة: كنت احدث عن عدى بن حاتم، فقلت: هذا عدى في ناحيه الكوفه فلو اتيته فكنت انا الذى اسمع منه، فاتيته فقلت: انى كنت احدث عنك حديثا، فاردت ان اكون انا الذى اسمعه منك، قال: لما بعث الله عز و جل النبى – صلى الله عليه و سلم – فررت منه حتى كنت في اقصي ارض المسلمين مما يلى الروم، قال: فكرهت مكانى الذى انا فيه حتى كنت اشد كراهيه له منى من حيث جئت، قال: قلت: لاتين هذا الرجل، فوالله ان كان صادقا، فلاسمعن منه، وان كان كاذبا، ما هو بضائري، قال: فاتيته و استشرفنى الناس، و قالوا: عدى بن حاتم، عدى بن حاتم، قال: اظنه قال ثلاث مرار، قال: فقال لي: يا عدى بن حاتم، اسلم، تسلم، قال: قلت: انى من اهل دين، قال: يا عدى بن حاتم، اسلم، تسلم، قال: قلت: انى من اهل دين، قالها ثلاثا، قال: (انا اعلم بدينك منك))، قال: قلت: انت اعلم بدينى مني قال: (نعم) قال: (اليس تراس قومك؟) قال: قلت: بلى، قال: فذكر محمد الركوسيه ، قال كلمه التمسها يقيمها فتركها، قال: فانه لا يحل في دينك المرباع .
قال: فلما قالها، تواضعت لها، قال: (وانى قد اري ان مما يمنعك خصاصه تراها ممن حولي، وان الناس علينا البا واحدا، هل تعرف مكان الحيرة؟) قال: قلت: قد سمعت بها و لم اتها، قال: (لتوشكن الظعينه ان تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبه و لتوشكن كنوز كسري بن هرمز تفتح))، قال: قلت: كسري بن هرمز قال: (كسري بن هرمز – ثلاث مرات – و ليوشكن ان يبتغى من يقبل ما له منه صدقه فلا يجد))، قال: فلقد رايت اثنتين، قد رايت الظعينه تخرج من الحيره بغير جوار حتى تطوف بالكعبه و كنت في الخيل التى اغارت على المدائن، وايم الله، لتكونن الثالثة؛ انه لحديث رسول الله – صلى الله عليه و سلم – حدثنيه .
و في روايه جاء فيه: فخرجت حتى اقدم على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – المدينه فدخلت عليه، و هو في مسجده، فسلمت عليه، فقال: (من الرجل؟))، فقلت: عدى بن حاتم، فقام رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فانطلق بى الى بيته، فوالله انه لعامد بى اليه، اذ لقيته امرأة ضعيفه كبيره فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، قال: قلت في نفسي: و الله ما هذا بملك، قال: ثم مضي بى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – حتى اذا دخل بى بيته، تناول و ساده من ادم محشوه ليفا، فقذفها الي، فقال: (اجلس على هذه))، قال: قلت: بل انت فاجلس عليها، فقال: (بل انت))، فجلست عليها، و جلس رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بالارض، قال: قلت في نفسي: و الله ما هذا بامر ملك .
كان النبى – صلى الله عليه و سلم – موفقا في دعوته؛ حيث كان خبيرا بادواء النفوس و دوائها، و مواطن الضعف فيها، و ازمه قيادها، فكان يلائم كل انسان بما يلائم علمه و فكره، و ما ينسجم مع مشاعره و احاسيسه؛ و لذلك اثر في زعماء القبائل، و دخل الناس في دين الله افواجا .
باذان بن ساسان:
لما اسلم باذان بن ساسان و كان اميرا على اليمن، لم يعزله رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بل ابقاه اميرا عليها بعد اسلامه، حين راى فيه الادارى الناجح و الحاكم المناسب؛ مما يدلل على ان الرسول – صلى الله عليه و سلم – يقدر الكفاءات في الرجال، و يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، و من الجدير بالذكر ان الرسول – صلى الله عليه و سلم – قد و لي و لده شهرا اميرا على اليمن بعد موته .
الفصل السابع
التعامل مع الازمات
ها هو مجتمع المدينه الذى وضع له الرسول و القائد العظيم دستورا، فعلم الناس كيف يتعاملون مع غيرهم من اهل الكتاب الذين يجاورونهم، و مع المنافقين الذين يتربصون لهم، تحدث فيه ايضا الازمات و الفتن، و لقد اراد الله ذلك لتكون دروسا و اضحه لنا، نسترشد بها و نستلهم منهج التعامل معها، فلا نقف مكتوفى الايدى عاجزين عن الفعل و الحركه و لقد كانت اشد تلك الازمات تلك الفتن التى قامت و سعي لها المنافقون، يريدون ان تنهدم الدوله و يقاتل المسلمون بعضهم بعضا.
فتنه الاوس و الخزرج:
فبينا المسلمون على ماء المريسيع، و ردت و ارده الناس و مع عمر بن الخطاب اجير له من بنى غفار، يقال له جهجاه بن مسعود، يقود فرسه، فازدحم جهجاه و سنان بن و بر الجهنى الخزرجي، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الانصار، و صرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين؛ فغضب عبد الله بن ابى بن سلول، و قال قولته: اما و الله: لئن رجعنا الى المدينه ليخرجن الاعز منها الاذل [المنافقون: 8]، ثم اقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بانفسكم، احللتموهم بلادكم، و قاسمتموهم اموالكم، اما و الله، لو امسكتم عنهم ما بايديكم، لتحولوا الى غير داركم، فسمع ذلك زيد بن ارقم، فمشي به الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و ذلك عند فراغ رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من عدوه، فاخبره الخبر، و عنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر، فليقتله، فقال له رسول الله – صلى الله عليه و سلم – (فكيف يا عمر اذا تحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه، لا، و لكن اذن بالرحيل))، و ذلك في ساعه لم يكن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يرتحل فيها، فارتحل الناس.
و قد مشي عبد الله بن ابى بن سلول الى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – حين بلغه ان زيد بن ارقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ما قال، و لا تكلمت به.
و كان في قومه شريفا عظيما، فقال من حضر رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من الانصار من اصحابه: يا رسول الله، عسي ان يكون الغلام قد اوهم في حديثه، و لم يحفظ ما قال الرجل؛ حدبا على ابن ابى بن سلول، و دفعا عنه.
و لما التقي النبى – صلى الله عليه و سلم – باسيد بن حضير، قال له رسول الله – صلى الله عليه و سلم (او ما بلغك ما قال صاحبكم؟))، قال: واي صاحب يا رسول الله قال: (عبد الله بن ابي))؛ قال: و ما قال قال: (زعم انه ان رجع الى المدينه ليخرجن الاعز منها الاذل))، قال: فانت يا رسول الله، و الله تخرجه منها ان شئت، هو و الله الذليل و انت العزيز، ثم قال يا رسول الله: ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وان قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فانه ليري انك قد استلبته ملكا.
ثم مشي رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بالناس يومهم ذلك حتى امسى، و ليلتهم حتى اصبح، و صدر يومهم ذلك حتى اذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا ان و جدوا مس الارض، فوقعوا نياما، و انما فعل ذلك رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالامس من حديث عبد الله بن ابي، و جاء عبد الله بن عبد الله بن ابى الى النبى – صلى الله عليه و سلم – فقال: يا رسول الله، انه بلغنى انك تريد قتل عبد الله بن ابى فيما بلغك عنه، فان كنت لا بد فاعلا، فمرنى به، فانا احمل اليك راسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل ابر بوالده مني، و انى اخشي ان تامر به غيرى فيقتله، فلا تدعنى نفسى انظر الى قاتل عبد الله بن ابى يمشى في الناس، فاقتله فاقتل مؤمنا بكافر، فادخل النار، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (بل نترفق به، و نحسن صحبته ما بقى معنا))  .
وجعل بعد ذلك اذا احدث الحدث، كان قومه هم الذين يعاتبونه، و ياخذونه، و يعنفونه، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم – لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شانهم: (كيف تري يا عمر اما و الله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله، لارعدت له انوف لو امرتها اليوم بقتله، لقتلته))، قال عمر: قد و الله علمت لامر رسول الله – صلى الله عليه و سلم – اعظم بركه من امرى .
و هى قصه تظهر لك حكمه منقطعه النظير، بعد نظر و صبر؛ فبحكمته – صلى الله عليه و سلم – جني تعاطف عشيره ابن ابي، و في بعد نظره رايت ما قال عمر، و في صبره رايت كيف سكت حتى تكلم القران، ففضح عدو الله ابن ابي.
حديث الافك:
و تلك فتنه اخري اعترضت طريق المؤمنين؛ كى تعلمهم و تعلمنا دروسا في التعامل مع الازمات التى تهدد سلامه المجتمع، و تريد ان تفكك بنيانه، و تمزق اوصاله:
و نترك امنا الطاهره عائشه – رضى الله عنها – تقص القصه فتقول:
1 كان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – اذا اراد سفرا اقرع بين ازواجه، فايهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله معه، فاقرع بيننا في غزوه غزاها – هى هذه الغزوه – فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بعد ما انزل الحجاب، فكنت احمل في هودجي، و انزل فيه، فسرنا.
2 حتى اذا فرغ رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من غزوته تلك، و قفل، دنونا من المدينه قافلين، اذن ليله بالرحيل، فقمت – حين اذنوا بالرحيل – فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شاني، اقبلت الى رحلي، فلمست صدري، فاذا عقد لى من “جزع ظفار” قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسنى ابتغاؤه، و اقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيرى الذى كنت اركب عليه، و هم يحسبون انى فيه، و كان النساء اذ ذاك خفافا لم يهبلن، و لم يغشهن اللحم، انما ياكلن العلقه من الطعام، فلم يستنكر القوم خفه الهودج حين رفعوه و حملوه، و كنت جاريه حديثه السن، فبعثوا الجمل فساروا، و وجدت عقدى بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم و ليس بها منهم داع و لا مجيب، فتيممت منزلى الذى كنت به، و ظننت انهم سيفقدونني، فيرجعون الي.
3 فبينا انا جالسه في منزلي، غلبتنى عينى فنمت، و كان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكواني، من و راء الجيش، فاصبح عند منزلي، فراي سواد انسان نائم، فعرفنى حين راني، و كان رانى قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت و جهى بجلبابي، و والله ما تكلمنا بكلمه و لا سمعت منه كلمه غير استرجاعه، و هوي حتى اناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت اليها فركبتها، فانطلق يقود بى الراحله حتى اتينا الجيش موغرين في نحر الظهيره و هم نزول، فهلك من هلك، و كان الذى تولي كبر الافك عبد الله بن ابى بن سلول.
4 فقدمنا المدينه فاشتكيت حين قدمت شهرا، و الناس يفيضون في قول اصحاب الافك، لا اشعر بشيء من ذلك، و هو يريبنى في وجعى انى لا اعرف من رسول الله – صلى الله عليه و سلم – اللطف الذى كنت اري منه حين اشتكي، انما يدخل على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فيسلم، ثم يقول: (كيف تيكم، ثم ينصرف، فذلك يريبنى و لا اشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع ام مسطح قبل المناصع و كان متبرزنا، و كنا لا نخرج الا ليلا الى ليل، و ذلك قبل ان نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، فانطلقت انا و ام مسطح – و هى ابنه ابى رهم بن المطلب بن عبد مناف، و امها بنت صخر بن عامر خاله ابى بكر الصديق، و ابنها مسطح بن اثاثه بن عباد بن المطلب – فاقبلت انا و ام مسطح قبل بيتى حين فرغنا من شاننا، فعثرت ام مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت: لها بئس ما قلت، اتسبين رجلا شهد بدرا، فقالت: اي هنتاه و لم تسمعى ما قال قلت: ما قال فاخبرتنى بقول اهل الافك، فازددت مرضا على مرضي.
5 فلما رجعت الى بيتي، دخل على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فسلم، ثم قال: (كيف تيكم؟))، فقلت له: اتاذن لى ان اتى ابوي، فاذن لى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فقلت: لامى يا امتاه ماذا يتحدث الناس قالت: يا بنيه هونى عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط و ضيئه عند رجل يحبها لها ضرائر، الا كثرن عليها فقلت: سبحان الله اوقد تحدث الناس بهذا فبكيت تلك الليله حتى اصبحت، لا يرقا لى دمع، و لا اكتحل بنوم، ثم اصبحت ابكي.
6 و دعا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – على بن ابى طالب و اسامه بن زيد حين استلبث الوحي، يسالهما و يستشيرهما في فراق اهله، فاما اسامه فاشار على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بالذى يعلم من براءه اهله، و بالذى يعلم لهم في نفسه، فقال اسامة: اهلك و لا نعلم الا خيرا، واما علي، فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، و النساء سواها كثير، و سل الجاريه تصدقك، فدعا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بريره فقال: اي بريره هل رايت من شيء يريبك قالت له بريرة: و الذى بعثك بالحق ما رايت عليها امرا قط اغمصه، غير انها جاريه حديثه السن تنام عن عجين اهلها، فتاتى الداجن فتاكله!
7 فقام رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من يومه، فاستعذر من عبد الله بن ابى – و هو على المنبر – فقال: (يا معشر المسلمين، من يعذرنى من رجل قد بلغنى عنه اذاه في اهلي، و الله ما علمت على اهلى الا خيرا، و لقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا، و ما يدخل على اهلى الا معي، فقام سعد بن معاذ الاوسي، فقال: انا يا رسول الله اعذرك، فان كان من الاوس ضربت عنقه، وان كان من اخواننا من الخزرج، امرتنا ففعلنا امرك، فقام رجل من الخزرج – و هو سعد بن عباده – و هو سيد الخزرج، و كان قبل ذلك رجلا صالحا، و لكن احتملته الحميه فقال لسعد: كذبت لعمر الله، لا تقتله و لا تقدر على قتله، و لو كان من رهطك ما احببت ان يقتل، فقام اسيد بن حضير و هو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه؛ فانك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الاوس و الخزرج حتى هموا ان يقتتلوا و رسول الله – صلى الله عليه و سلم – قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يخفضهم حتى سكتوا و سكت.
8 فبكيت يومى ذلك كله، لا يرقا لى دمع، و لا اكتحل بنوم، و اصبح ابواى عندي، و قد بكيت ليلتين و يوما، لا يرقا لى دمع، و لا اكتحل بنوم، حتى انى لاظن ان البكاء فالق كبدي، فبينا ابواى جالسان عندى و انا ابكي، فاستاذنت على امرأة من الانصار، فاذنت لها، فجلست تبكى معي، فبينا نحن على ذلك، دخل رسول الله – صلى الله عليه و سلم – علينا فسلم ثم جلس، و لم يجلس عندى منذ قيل ما قيل قبلها، و قد لبث شهرا لا يوحي اليه في شانى بشيء، فتشهد رسول الله – صلى الله عليه و سلم – حين جلس، ثم قال: (اما بعد يا عائشه انه بلغنى عنك كذا و كذا، فان كنت بريئه فسيبرئك الله، وان كنت الممت بذنب، فاستغفرى الله و توبى اليه، فان العبد اذا اعترف، ثم تاب، تاب الله عليه))، فلما قضي رسول الله – صلى الله عليه و سلم – مقالته، قلص دمعي، حتى ما احس منه قطره فقلت لابي: اجب رسول الله – صلى الله عليه و سلم – عنى فيما قال، فقال ابي: و الله ما ادرى ما اقول لرسول الله – صلى الله عليه و سلم – فقلت لامي: اجيبى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فيما قال، قالت امي: و الله ما ادرى ما اقول لرسول الله – صلى الله عليه و سلم – فقلت – و انا جاريه حديثه السن، لا اقرا من القران كثيرا انى و الله قد عرفت انكم قد سمعتم بذاك، حتى استقر في انفسكم و صدقتم به، فلئن قلت لكم: انى بريئه لا تصدقوني، و لئن اعترفت لكم بامر – و الله يعلم انى منه بريئه – لتصدقوني، فوالله، لا اجد لى و لكم مثلا الا ابا يوسف حين قال: فصبر جميل و الله المستعان على ما تصفون [يوسف: 18]، ثم تحولت، و اضطجعت على فراشي.
9 و الله يعلم انى حينئذ بريئه وان الله مبرئى ببراءتي، و لكن و الله ما كنت اظن ان الله منزل في شانى و حيا يتلى، لشانى في نفسى كان احقر من ان يتكلم الله في بامر، و لكن كنت ارجو ان يري رسول الله – صلى الله عليه و سلم – في النوم رؤيا يبرئنى الله بها، فوالله ما رام رسول الله – صلى الله عليه و سلم – مجلسه و لا خرج احد من اهل البيت حتى انزل عليه، فاخذه ما كان ياخذه من البرحاء، حتى انه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان، و هو في يوم شات من ثقل القول الذى انزل عليه، فسرى عن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و هو يضحك، فكانت اول كلمه تكلم بها ان قال: (يا عائشه اما الله، فقد براك))، فقالت لى امي: قومى اليه، فقلت: و الله لا اقوم اليه، فانى لا احمد الا الله – عز و جل – و انزل الله – تعالى ان الذين جاءوا بالافك عصبه منكم [النور: 11]، العشر الايات، ثم انزل الله هذا في براءتي.
10 قال ابو بكر الصديق – و كان ينفق على مسطح بن اثاثه لقرابته منه و فقره و الله، لا انفق على مسطح شيئا ابدا بعد الذى قال لعائشه ما قال، فانزل الله:
ولا ياتل اولو الفضل منكم و السعه ان يؤتوا اولى القربي و المساكين و المهاجرين في سبيل الله و ليعفوا و ليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم و الله غفور رحيم [النور: 22].
قال ابو بكر الصديق: بلي و الله، انى لاحب ان يغفر الله لي، فارجع الى مسطح النفقه التى كان ينفق عليه، و قال: و الله لا انزعها منه ابدا.
11 و كان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – سال زينب بنت جحش عن امري، فقال لزينب: (ماذا علمت او رايت؟))، فقالت: يا رسول الله، احمى سمعى و بصري، و الله ما علمت الا خيرا!
قالت عائشة: و هى التى كانت تسامينى من ازواج النبى – صلى الله عليه و سلم – فعصمها الله بالورع، و طفقت اختها حمنه تحارب لها، فهلكت فيمن هلك) .
الفصل التاسع
كيفيه التعليم
اذا اردنا منهجا متميزا في تعليم الناس او دعوتهم الى الحق، فلن نجد اعظم و لا افضل من المنهج النبوى الفريد في التعليم و التربيه و هى ليست كلمات نظريه كتلك التى نقرؤها في كتب التربيه و مناهج التدريس، بل هى مواقف عمليه و دروس تربويه تصلح ان تكون فنا او اصولا يتبعها المربون لاصلاح و تربيه الصغار و الكبار على السواء.
و لنتامل بعضا من طرق و وسائل تعليمه – صلى الله عليه و سلم – لامته:
لله ارحم بعباده من هذه بولدها:
كان – صلى الله عليه و سلم – تحدث امامه احداث معينه فينتهز مشابهه ما يري لمعني معين يريد تعليمه للصحابه و مشاكلته لتوجيه مناسب يريد بثه لاصحابه، و عندئذ يكون هذا المعنى، و ذلك التوجيه اوضح ما يكون في نفوسهم – رضوان الله عليهم – و من ذلك ما رواه عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – قال: قدم على النبى – صلى الله عليه و سلم – سبي، فاذا امرأة في السبى قد تحلب ثدياها تسعى، اذا و جدت صبيا في السبي، اخذته فالصقته ببطنها، و ارضعته، فقال لنا النبى – صلى الله عليه و سلم (اترون هذه طارحه و لدها في النار؟) قلنا: لا، و هى تقدر على الا تطرحه، فقال: (لله ارحم بعباده من هذه بولدها) .
“فانتهز – صلى الله عليه و سلم – المناسبه القائمه بين يديه مع اصحابه، المشهود فيها حنان الام الفاقده على رضيعها اذ و جدته، و ضرب بها المشاكله و المشابهه برحمه الله – تعالى – ليعرف الناس رحمه رب الناس بعباده” .
انما انا لكم بمنزله الوالد:
ان استعمال لطيف الخطاب ورقيق العبارات، يؤلف القلوب، و يستميلها الى الحق، و يدفع المستمعين الى الوعى و الحفظ، فقد كان – صلى الله عليه و سلم – يمهد لكلامه و توجيهه بعباره لطيفه رقيقه و بخاصه اذا كان بصدد تعليمهم ما قد يستحيا من ذكره، كما فعل عند تعليمهم اداب الجلوس لقضاء الحاجة؛ اذ قدم لذلك بانه مثل الوالد للمؤمنين، يعلمهم شفقه بهم، فقد قال – صلى الله عليه و سلم (انما انا لكم بمنزله الوالد اعلمكم؛ فاذا اتي احدكم الغائط، فلا يستقبل القبله و لا يستدبرها، و لا يستطب بيمينه) .
لقد راعي المعلم الاول – صلى الله عليه و سلم – جمله من المبادئ التربويه الكريمه كانت غايه في السمو الخلقى و الكمال العقلى – و ذلك في تعليقه على ما صدر من بعض الصحابه – جعلت التوجيه يستقر في قلوبهم، و بقى ما ثلا امام بصائرهم؛ لما ارتبط به من معان تربويه كريمة  .
ارايتم (التعليم بالمحاورة)):
انه يريد لفت انظارهم الى ان كل حركه يتحركونها، و كل عمل يقومون به، حتى ما يرون انه من العادات او من دواعى الغريزه – يجب استغلاله للتزود لذلك اليوم، و كان – صلى الله عليه و سلم – يسعي دائما لترسيخ تلك المعانى في نفوس الصحابه ، فنراه يقول في موطن اخر: (وفى بضع احدكم صدقة) قالوا: يا رسول الله، اياتى احدنا شهوته و يكون له فيها اجر قال: (ارايتم لو وضعها في حرام، اكان عليه فيها و زر فكذلك اذا وضعها في الحلال كان له اجر) .
و يقول في موطن ثالث: (وانك مهما انفقت من نفقه فانها صدقه حتى اللقمه التى ترفعها الى في امراتك) .
ما بال اقوام:
من هدى رسول الله: الا يستخدم القول المباشر في تعليم الناس، انما يخاطبهم بعموم القول؛ كيلا يشعر احد بالحرج، و تهتز ثقته بنفسه، وينعزل عن جماعته و اخوته و امته؛ لذا كان رسول الله يستخدم ذلك القول اللطيف في كثير من الاحيان: (ما بال اقوام)).
و لنر كيف رد الرسول و علم صحابته و ردهم الى الصواب بذلك الاسلوب الذى لا يتعمد اساءه او تخصيصا لاحد بالذنب؛ لما في ذلك من مراعاه شعور المخطئ، و التاكيد على عموم التوجيه.
حدث هذا في مواقف عده اشهرها: عندما جاء نفر من الصحابه يريدون معرفه كيفيه عباده النبى – صلى الله عليه و سلم – وصلاته، فسالوا ازواج النبى – صلى الله عليه و سلم – عن عمله في السر، فاخبرتهم زوجات النبى – صلى الله عليه و سلم – انه يصوم احيانا و يفطر احيانا، وينام بعضا من الليل، و يصلى بعضه، فقال بعضهم لبعض: هذا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ثم اتخذ كل واحد منهم قرارا!
فقال احدهم: انا لن اتزوج، و قال الاخر: و انا ساصوم دائما، و قال الثالث: و انا لا انام الليل.
فبلغ النبى – صلى الله عليه و سلم – ما قالوه، فقام على منبره، فحمد الله و اثني عليه، ثم قال:
ما بال اقوام، (هكذا مبهما، لم يقل ما بال فلان و فلان)).
(ما بال اقوام قالوا: كذا و كذا، لكنى اصلي، و انام، و اصوم، و افطر، و اتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني) .
لينتهن عن ذلك!
و في يوم اخر لاحظ النبى – صلى الله عليه و سلم – ان رجالا من المصلين معه يرفعون ابصارهم الى السماء في اثناء صلاتهم، و هذا خطا؛ فالاصل ان ينظر احدهم الى موضع سجوده، فقال – صلى الله عليه و سلم (ما بال اقوام يرفعون ابصارهم الى السماء في صلاتهم))، فلم ينتهوا عن ذلك و استمروا يفعلونه، فلم يفضحهم او يسمهم باسمائهم، و انما قال: (لينتهن عن ذلك، او لتخطفن ابصارهم) .
اللهم بلغت:
و من ذلك ما حدث مع عبد الله بن اللتبيه حين استعمله النبى – صلى الله عليه و سلم – على صدقات بنى سليم، فقبل الهدايا من المتصدقين، فعن ابى حميد الساعدى قال: استعمل رسول الله – صلى الله عليه و سلم – رجلا على صدقات بنى سليم، يدعى: ابن اللتبيه فلما جاء حاسبه، فقال: هذا ما لكم، و هذا هديه فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (فهلا جلست في بيت ابيك و امك، حتى تاتيك هديتك ان كنت صادقا؟))، ثم خطبنا، فحمد الله، و اثني عليه، ثم قال: (اما بعد، فانى استعمل الرجل منكم على العمل مما و لانى الله، فياتى فيقول: هذا ما لكم، و هذا هديه اهديت لي، افلا جلس في بيت ابيه و امه حتى تاتيه هديته و الله لا ياخذ احد منكم شيئا بغير حقه الا لقى الله بحمله يوم القيامه فلا اعرفن احدا منكم لقى الله يحمل بعيرا له رغاء، او بقره لها خوار، او شاه تيعر))، ثم رفع يديه حتى رؤى بياض ابطيه، يقول: (اللهم بلغت) بصر عيني، و سمع اذنى .
اتحبه لامك:
و لننظر الى طريقته التربويه الرائعه التى يجب ان تكون منهاجا في التعامل مع الشباب و المراهقين، حين جاءه شاب يريد ان ياذن له في الزنا، انها طريقه الحوار و المصارحه و التى نغفل عنها كثيرا في تعاملنا و دعوتنا للاخرين:
لقد اتي فتى شاب النبى – صلى الله عليه و سلم – فقال: يا رسول الله، ائذن لى بالزنا، فاقبل القوم عليه فزجروه، و قالوا: مه، مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: اتحبه لامك قال: لا و الله، جعلنى الله فداءك، قال: و لا الناس يحبونه لامهاتهم، قال: افتحبه لابنتك، قال: لا و الله يا رسول الله، جعلنى الله فداءك، قال: و لا الناس يحبونه لبناتهم، قال: افتحبه لاختك، قال: لا و الله، جعلنى الله فداءك، قال: و لا الناس يحبونه لاخواتهم، قال: افتحبه لعمتك، قال: لا و الله، جعلنى الله فداءك، قال: و لا الناس يحبونه لعماتهم، قال: افتحبه لخالتك، قال: لا و الله، جعلنى الله فداءك، قال: و لا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، و قال: اللهم اغفر ذنبه، و طهر قلبه، و حصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتي يلتفت الى شيء .
هكذا كانت طريقته – صلى الله عليه و سلم – مليئه بالحب و الرحمه و الشفقه بامته و بجميع البشر.
فسلاما وصلاه عليك ايها المبعوث رحمه للعالمين، وجعلنا نسير على خطاك؛ كى نكون من اهل الفلاح في الدنيا و الاخرة.

  • الاتحبون ان يذهب الناس ب وتذهبون برسول الله؟
  • كيف كان الرسول يقود الناس في الغزوات
441 views

تعامل الرسول مع الناس