10:52 صباحًا الثلاثاء 13 نوفمبر، 2018

تعامل الرسول مع الناس


كيف تعامل الرسول – صلى الله عليه وسلم – مع الناس؟
مواقف عمليه)

صورة تعامل الرسول مع الناس

مقدمه

والصلاة والسلام على خير الخلق،

رسول الانسانيه،

من بعثه الله بالحق هاديا ومرشدا ومعلما.
اما بعد:
فيقول الله في كتابة الكريم:

{لقد كان لكم في رسول الله اسوه حسنه لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا [الاحزاب:

21].
فالرسول الخاتم هو المثال والقدوه التي وجهنا القران الى اتباعها والسير على خطاها؛

كي ننال فلاح الدنيا والاخره،

ونحن نقرا في اي القران:

{وما ارسلناك الا رحمه للعالمين [الانبياء:

107].
اي:

انه بعث للبشريه كلها؛

رجالا ونساء،

اطفالا وشيوخا،

مؤمنين وكافرين،

ارسله الله دليلا يدل الناس على الطريق،

ورائدا يقود اتباعه الى الخير والى السعادة والرضوان.
وجاءت سيرته وافعاله كلها دليلا عمليا يعلم الناس كيف يعيشون وكيف يتعاونون،

كيف يختلفون وكيف يتحاورون،

بل كيف يحاربون وكيف يسالمون.
وانها لمنه كبرى من الخالق العظيم ان تكون لدينا تلك المدرسة النورانيه او الجامعة الكبرى،

التي تخرج فيها من قبل جيل الصحابه الاولين،

بينما العالم الذي يدعي التحضر لم يبدا الحديث عن الانسان وتنميته وعلاقته بالاخرين الا حديثا!
وعلى رغم ذلك،

فقد ادعوا انهم مؤسسو علم جديد يعنى بالتنميه البشريه ونجاح الانسان في حياته؛

وللاسف كما اعتاد المسلمون ان يستوردوا كل شيء،

فقد استوردوا ذلك العلم المزعوم،

ونسوا ان لديهم كنزا ما عرفت البشريه مثله،

ولو عرفوا قيمته،

لهرعوا ينهلون وياخذون بقسطهم منه.
اننا لو تتبعنا هدي الرسول الكريم في التعامل مع الناس،

ومنهجه في تربيه اصحابه الكرام – لادركنا اننا نحمل للبشريه خيرا عميما،

ينقذها من كل الامها وعذاباتها،

ويقدم لها سعادتها الكبرى التي تبتغيها.
فهلم يا كل البشر،

ويا كل محبي الانسانيه،

ويا من تبحثون عن سعادة الانسان ورضا قلبه،

يا من تتحدثون عن حضارة انسانيه وتعايش سلمي،

يا من ترجون للعالم امنا،

وللنفوس اتزانا،

وللارواح سلاما،

تعالوا الى مدرسة النبوه الخالده نستجل بعضا من مواقف الحبيب،

وصورا من تعامله مع اصناف الناس،

كيف احبهم

وكيف اسعدهم

حتى كان احب اليهم من نفوسهم التي بين جنوبهم.
هلم الى تلك الروضه الغناء؛

لعل نفوسنا العصيه على التغيير تحاول القرب من الحبيب،

فتكون اطيب وارقى وتقتدي بخير خلق الله.
الفصل الاول
مراعاه الطبيعه البشريه
خلق الله الانسان مميزا بصفات وطبائع عده،

وفطره على امور يعرف بها؛

كحبه للمال،

وتعجله للخير،

وحاجته للحب والاهتمام والتشجيع،

وغير ذلك مما يعرفه علماء النفس،

ويتحدث به اصحاب التنميه البشريه اليوم.
اما مدرستنا النبويه،

فقد علمت ذلك منذ زمن بعيد،

وتعاملت مع ذلك الانسان تعاملا راقيا؛

فصار بعدها ذلك الانسان السماوي الذي اقام الحضاره،

وعلم الدنيا،

ونفع الناس جميعا!
والان لنا ان ناخذ بعض المواقف – لاننا لا نملك ان نحصي المواقف العطره كلها – كي نضعها انموذجا ومثالا نسير عليه،

ونهديه لاجيالنا؛

كي يترقوا ويسلكوا الطريق الى السعاده،

والى رضوان الله،

ولقد راينا في تلك المواقف صورا رائعه من مراعاه طبيعه البشر من نواح عده:
ابداء الاهتمام:
كان رسولنا – صلى الله عليه وسلم – يظهر اهتمامه بكل فرد على حده،

وكان لذلك قيمته الكبرى في المجتمع المسلم؛

اذ يشعر الفرد حينذاك باهميته وبما يملك من طاقات؛

فيسعى لخدمه دينه واهله ومجتمعه،

فها هو زاهر الذي يروي لنا انس – رضي الله عنه – حديث رسول الله معه وكيف رفع قيمته،

وعرفه قدره عند الله.
عن انس:

ان رجلا من اهل الباديه كان اسمه زاهرا يهدي النبي – صلى الله عليه وسلم – الهديه من الباديه،

فيجهزه النبي – صلى الله عليه وسلم – اذا اراد ان يخرج،

فقال رسول الله:

((ان زاهرا باديتنا ونحن حاضروه))،

وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحبه وكان رجلا دميما،

فاتاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يبيع متاعه،

فاحتضنه من خلفه ولا يبصره الرجل،

فقال:

ارسلني،

من هذا

فالتفت فعرف النبي – صلى الله عليه وسلم – فجعل لا يالو ما الصق ظهره بصدر النبي – صلى الله عليه وسلم – حين عرفه،

وجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول:

((من يشتري العبد؟))،

فقال:

يا رسول الله،

اذن والله تجدني كاسدا،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

(لكن عند الله لست بكاسد – او قال:

– لكن عند الله انت غال) .


كان – صلى الله عليه وسلم – يعامل كل احد يلقاه بمهارات؛

من احتفاء،

وتفاعل،

وبشاشه؛

حتى يشعر ذلك الشخص انه احب الناس اليه،

وبالتالي يكون هو ايضا احب الناس اليهم؛

لانه اشعرهم بمحبته.
وها هنا موقف اخر نرى فيه كيف يهتم الرسول باصحابه؛

حتى يظن الواحد منهم انه احب الناس اليه:
كان عمرو بن العاص – رضي الله عنه – داهيه من دهاه العرب؛

حكمه وفطنه وذكاء،

فادهى العرب اربعه:

عمرو واحد منهم،

اسلم عمرو وكان راسا في قومه،

فكان اذا لقي النبي – صلى الله عليه وسلم – في طريق راى البشاشه والبشر والمؤانسه،

واذا دخل مجلسا فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – راى الاحتفاء والسعادة بمقدمه،

واذا دعاه النبي – صلى الله عليه وسلم – ناداه باحب الاسماء اليه.
شعر عمرو بهذا التعامل الراقي ودوام الاهتمام والتبسم – انه احب الناس الى رسول الله،

فاراد ان يقطع الشك باليقين،

فاقبل يوما الى النبي – صلى الله عليه وسلم – وجلس اليه،

ثم قال:

يا رسول الله،

اي الناس احب اليك

فقال – صلى الله عليه وسلم

((عائشه))،

قال عمرو:

لا،

من الرجال يا رسول الله

لست اسالك عن اهلك،

فقال – صلى الله عليه وسلم

((ابوها))،

قال عمرو:

ثم من

قال:

((ثم عمر بن الخطاب))،

قال:

ثم اي

فجعل النبي – صلى الله عليه وسلم – يعدد رجالا،

يقول:

فلان،

ثم فلان بحسب سبقهم الى الاسلام،

وتضحيتهم من اجله،

قال عمرو:

فسكت؛

مخافه ان يجعلني في اخرهم،

فانظر كيف استطاع – صلى الله عليه وسلم – ان يملك قلب عمرو بمهارات اخلاقيه مارسها معه .


تقديم النصح في صورة طيبه:
نادرا ما تجد انسانا يقبل ان تسدد اليه نصحا،

او تصحح له خطا،

وقد كان رسول الانسانيه العظيم يعلم ان افضل الطرق لقبول النصيحه ووضعها موضع التنفيذ – هي ان تقدم في صورة طيبه وبكلمات تقبلها النفس؛

مع ان خير البشر لو اراد لقال نصحة على اي وجه؛

فهو يعلم ان اصحابه يقدمونه على انفسهم،

وان ما يدلهم عليه احب اليهم مما يحبون،

لكنه يقدم لنا الاسوه والقدوه؛

فها هو – صلى الله عليه وسلم – يدعو عبد الله بن عمر لقيام الليل،

فلا يقول كما يقول بعض الشيوخ:

ان التاركين لصلاه الليل خاسرون وفاسقون – فربما كان المعنى صحيحا،

ولكن اسلوب الكلام لا يدعو احدا الى قبول النصيحه والعمل بها – بل يقول في حب:

((نعم العبد عبد الله بن عمر لو كان يقوم من الليل))،

قال سالم بن عبد الله بن عمر:

فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل الا قليلا.
تقدير الطاقات والمواهب:
من خلال تشجيع المحسن والثناء عليه؛

ليزداد نشاطا واقبالا على العلم والعمل،

مثلما فعل مع ابي موسى الاشعري حين اثنى على قراءته وحسن صوته بالقران الكريم؛

فعن ابي موسى – رضي الله عنه – ان النبي – صلى الله عليه وسلم – قال له:

((لو رايتني وانا استمع لقراءتك البارحه،

لقد اوتيت مزمارا من مزامير ال دواد) .
وقد قدر رسول الكريم شاعريه حسان بن ثابت فلم ياخذ عليه او يدعه الى ترك قول الشعر والالتفات الى الجهاد بالنفس او تعلم القران،

بل علمنا ان الاسلام يحتاج الى كل الطاقات،

ويقدر كل المواهب،

فجعل حسان فارسا من فرسان دعوه الاسلام يذود عنها بشعره ولسانه،

ويهجو شعراء المشركين،

فيمدحه رسول الله قائلا:

((اهجهم وروح القدس معك)).
البحث عن منافذ الخير:
لان رسولنا الحبيب كان يعرف معادن الناس؛

فقد كان احرص الناس على دعوه من يتوسم فيهم الصلاح والخير،

حتى وان بدوا اعداء كارهين لدعوه الاسلام؛

لذا فقد قال النبي الملهم من السماء:

((الناس معادن،

خيارهم في الجاهليه خيارهم في الاسلام اذا فقهوا) ؛

ولذا نراه – صلى الله عليه وسلم – يامل في اسلام بعض الفضلاء الذين حاربوا الاسلام في بدايته،

وقادوا ضده المعارك،

ومن هؤلاء كان القائد المميز الذي صار يضرب باسم الله بعد ذلك خالد بن الوليد!
فماذا قال عنه رسول الله؛

حتى يفتح قلبه وعقله للاسلام بعدما ادرك ان فيه منافذ خير تؤهله ان يكون قائدا من جنود الاسلام العظام

مقاله وصلت الى مسامع خالد،

فاحدثت اثرا في قلبه الذي كتب الله له الهدايه:

((اومثل خالد يتوه عن الاسلام؟!)).
ولنستمع الان الى خالد نفسه يقص علينا خبر اسلامه،

وكيف وقع في قلبه كلام رسول الله عنه!
“كان اخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في عمره القضيه،

فطلبني فلم يجدني،

فكتب الى كتابا،

فاذا فيه:

،

اما بعد،

فاني لم ار اعجب من ذهاب رايك عن الاسلام،

وعقلك عقلك،

ومثل الاسلام جهله احد

وقد سالني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عنك فقال:

اين خالد

فقلت:

ياتي الله به

فقال:

ما مثله جهل الاسلام،

ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين،

لكان خيرا له،

ولقدمناه على غيره،

فاستدرك يا اخي ما فاتك،

فقد فاتتك مواطن صالحه.
قال:

فلما جاءني كتابه،

نشطت للخروج،

وزادني رغبه في الاسلام،

وسرني مقاله رسول الله،

قال خالد:

وارى في النوم كاني في بلاد ضيقه جديبه،

فخرجت الى بلد اخضر واسع،

فقلت:

ان هذه لرؤيا،

فلما قدمت المدينه قلت:

لاذكرنها لابي بكر،

قال:

فذكرتها،

فقال:

هو مخرجك الذي هداك الله للاسلام،

والضيق الذي كنت فيه من الشرك،

فلما اجمعت للخروج الى رسول الله،

قلت:

من اصاحب الى رسول الله

فلقيت صفوان بن اميه فقلت:

يا ابا وهب،

اما ترى ما نحن فيه

انما نحن اكله راس،

وقد ظهر محمد على العرب والعجم،

فلو قدمنا على محمد فاتبعناه؛

فان شرف محمد على العرب،

فابى اشد الاباء،

وقال:

لو لم يبق غيري من قريش ما اتبعته ابدا،

فافترقنا،

وقلت:

هذا رجل موتور يطلب وترا،

قد قتل ابوه واخوه ببدر،

فلقيت عكرمه بن ابي جهل فقلت له مثل الذي قلت لصفوان،

فقال لي مثل ما قال صفوان،

قلت:

فاكتم علي،

قال:

لا اذكره،

فخرجت الى منزلي،

فامرت براحلتي،

فخرجت بها الى ان لقيت عثمان بن طلحه،

فقلت:

ان هذا لي صديق،

فلو ذكرت له ما ارجو،

ثم ذكرت من قتل من ابائه،

فكرهت اذكره،

ثم قلت:

وما علي واني راحل من ساعتي،

فذكرت له ما صار الامر اليه،

فقلت:

انما نحن بمنزله ثعلب في جحر،

لو صب عليه ذنوب من ماء لخرج،

قال:

وقلت له نحو ما قلت لصاحبيه،

فاسرع في الاجابه،

وقال:

لقد غدوت اليوم وانا اريد ان اغدو،

وهذه راحلتي بفخ مناخه،

قال:

فاتعدت انا وهو بياجج،

ان سبقني اقام،

وان سبقته اقمت عليه،

قال:

فادلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بياجج،

فغدونا حتى انتهينا الى الهده،

فنجد عمرو بن العاص بها،

فقال:

مرحبا بالقوم،

فقلنا:

وبك،

قال:

مسيركم

قلنا:

ما اخرجك

قال:

فما الذي اخرجكم

قلنا:

الدخول في الاسلام واتباع محمد – صلى الله عليه وسلم – قال:

وذلك الذي اقدمني.
قال:

فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينه فانخنا بظاهر الحره ركابنا،

فاخبر بنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فسر بنا،

فلبست من صالح ثيابي،

ثم عمدت الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلقيني اخي فقال:

اسرع؛

فان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد اخبر بك فسر بقدومك،

وهو ينتظركم،

فاسرعت المشي فطلعت عليه،

فما زال يتبسم الى حتى وقفت عليه،

فسلمت عليه بالنبوه،

فرد علي السلام بوجه طلق،

فقلت:

اني اشهد ان لا اله الا الله،

وانك رسول الله،

فقال:

((الحمد لله الذي هداك،

قد كنت ارى لك عقلا،

رجوت الا يسلمك الا الى خير))،

قلت:

يا رسول الله،

قد رايت ما كنت اشهد من تلك المواطن عليك معاندا عن الحق،

فادع الله ان يغفرها لي،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((الاسلام يجب ما كان قبله))،

قلت:

يا رسول الله،

على ذلك

فقال:

((اللهم اغفر لخالد كل ما اوضع فيه من صد عن سبيلك))،

قال خالد:

وتقدم عمرو وعثمان فبايعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان قدومنا في صفر سنه ثمان،

فوالله ما كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من يوم اسلمت يعدل بى احدا من اصحابه فيما حزبه” .
لا يترك مدخلا للشيطان:
وهب الله رسول الاسلام العظيم من المواهب،

ورزقه من المهارات – ما يعينه على تبليغ الدعوه وتربيه اصحابه والامه من بعده؛

ولذلك كان طبيعيا ان يلتفت الى الطبيعه البشريه التي يجري منها الشيطان مجرى الدم في العروق،

فيعلمنا الا نترك فرصه ولا مدخلا يدخل من خلاله الشيطان،

فيوسوس للنفس،

ويلقي اليها بالظنون،

ويثقل كاهلها بالشك البغيض،

ومع انه رسول الله،

ومع انه المعصوم من الرذائل والفتن،

نجده في ذلك الموقف يضع لنا قاعده في التعامل مع الشائعات او الظنون،

وهو الا نترك لها مدخلا للشيطان،

والا نستثير ظنون الاخرين وشكوكهم فينا،

فنوضح ما خفي للناس،

ونبين لهم ما غاب عنهم.
انها صفيه!
تروي صفيه – رضي الله عنها

انها جاءت الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليلا تزوره – وهو معتكف في المسجد – فحدثته،

قالت:

ثم قمت فقام معي – وكان مسكنها في دار اسامه بن زيد – فمر رجلان من الانصار،

فلما رايا النبي – صلى الله عليه وسلم – اسرعا،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((على رسلكما،

انها صفيه بنت حيي))،

فقالا:

سبحان الله يا رسول الله

فقال:

((ان الشيطان يجري من الانسان مجرى الدم،

واني خشيت ان يقذف في قلوبكما شيئا – او قال:

شرا)) .
حسن الاستماع:
يتحدث الدعاه عن فن احتواء القلوب،

ويضعون حسن الاستماع الى الاخر اول الخطوات الى كسب وتاليف القلوب،

وها هو سيد الدعاه يعلمنا في احد المواقف كيف نستمع الى الاخر بكل حب،

حتى وان اغلظ في القول او بدا غير مهذب.
“بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبه وافدا الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقدم عليه فاناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله،

ثم دخل المسجد ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – جالس في اصحابه،

وكان ضمام رجلا اشعر ذا غديرتين،

فاقبل حتى وقف على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في اصحابه،

فقال:

ايكم ابن عبد المطلب،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((انا ابن عبد المطلب))،

قال:

محمد،

قال:

((نعم))،

قال:

ابن عبد المطلب،

اني سائلك ومغلظ في المساله،

فلا تجدن في نفسك،

قال:

((لا اجد في نفسي،

فسل عما بدا لك))،

قال:

انشدك بالله الهك واله من قبلك واله من هو كائن بعدك،

الله بعثك الينا رسولا

قال:

((اللهم نعم))،

فقال:

انشدك بالله الهك واله من هو كائن بعدك،

الله امرك ان تامرنا ان نعبده لا نشرك به شيئا،

وان نخلع هذه الانداد التي كان اباؤنا يعبدون معه

قال:

((اللهم نعم))،

قال:

فانشدك الله الهك واله من قبلك واله من هو كائن بعدك،

الله امرك ان تصلي هذه الصلوات الخمس

قال:

((اللهم نعم))،

قال:

ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضه فريضه:

الزكاه،

والصيام،

والحج،

وشرائع الاسلام كلها،

يناشده عند كل فريضه كما ناشده في التي قبلها.
فلما فرغ قال:

اني اشهد ان لا اله الا الله،

واشهد ان محمدا رسول الله،

وساؤدي هذه الفرائض،

واجتنب ما نهيتني عنه لا ازيد ولا انقص،

قال:

ثم انصرف راجعا الى بعيره،

قال:

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين ولى:

((ان صدق ذو العقيصتين يدخل الجنه))،

قال:

فاتى بعيره فاطلق عقاله،

ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا اليه،

فكان اول ما تكلم به ان قال:

بئست اللات والعزى،

قالوا:

مه يا ضمام،

اتق البرص والجذام،

اتق الجنون،

قال:

ويلكم،

انهما والله ما يضران ولا ينفعان؛

ان الله قد بعث رسولا،

وانزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه،

واني اشهد ان لا اله الا الله،

وحده لا شريك له،

وان محمدا عبده ورسوله،

وقد جئتكم من عنده بما امركم به ونهاكم عنه،

قال:

فوالله ما امسى في ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امراه الا مسلما،

قال:

يقول ابن عباس:

فما سمعنا بوافد قوم افضل من ضمام” .
الكلام المناسب:
يعلمنا الرسول القدوه ان لكل كلام وقتا ومناسبه،

وليس اي كلام يصلح في اي وقت،

ويوضح لنا من خلال مواقفه العملية الراقيه كيف نكون رحماء بالناس؛

من خلال الكلمه الطيبه التي تراعي مشاعرهم،

وتقدر احتياجاتهم،

فنكون لهم سندا وعونا في صحراء الحياة القاسيه.
ولنا ان نتامل في هذا الموقف كيف احس رسول الله بما يحتاجه جابر بن عبد الله من دعم معنوي ومادي بعد عودته متعبا من غزوه ذات الرقاع “وجابر – رضي الله عنه – اهل لهذه العنايه في هذه الايام بالذات؛

فقد قتل ابوه في معركه احد)،

وهو سيد من سادات الانصار،

وقد خلف وراءه تبعه ثقيله تحملها ابنه الاكبر هذا وحده،

وترك الاب لولده مهمه رعايه البنات اليتم،

وقد بلغ عددهن سبعا،

على فقر وشظف،

وكان اجدر بغير جابر ان يتخلف عن مثل هذه الغزوه؛

متعللا بهذه المسؤوليه الاسريه الصعبه،

ولو تخلف مثل جابر لكان له في ذلك الف عذر،

ولكنها اسرة مسلمه مجاهده،

وربها مجاهد ابن مجاهد،

ومن يشابه اباه فما ظلم” .
لقد رق النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو صاحب القلب الرؤوف – لحال جابر وال جابر وبيت جابر،

فيبدو ان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يلحظه بعين رحمته الشفيقه بين الفينه والاخرى،

كما ينظر احدنا لولده شفقه من حين الى اخر؛

حتى لم يجده مره في صفوف الجيش،

وقد جعل الجيش يمضي وجابر يتاخر به جمله العليل،

ويكان العله قد اصابت جابرا في كل بيته حتى جمله!
فاذا النبي – صلى الله عليه وسلم – يدرك ذلك،

فيؤخر جمله؛

ليلحق بجابر في اخر الجيش،

فادركه،

وعلم ما حل بجمله من عله،

فقال النبي – صلى الله عليه وسلم

((اعطني هذه العصا من يدك))،

قال جابر:

فنخسه بها نخسات،

ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم

((اركب))،

فركبت،

فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقه!
ثم دار هذا الحديث الرقيق الرفيق،

الذي يعبر عن نفس زكيه عظيمه،

كانت بين جنبي محمد – صلى الله عليه وسلم – تبين لك كيف كان حرصه على المؤمنين،

وكيف كان يتذرع الذرائع من اجل ان يخدمهم،

ويصنع الصنائع من اجل ان يكرمهم:
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((اتبيعني جملك هذا يا جابر؟))،

قال جابر:

يا رسول الله،

بل اهبه لك

قال:

((لا،

ولكن بعنيه))،

قال جابر:

فسمني به،

قال:

((قد قلت:

اخذته بدرهم))،

قال:

لا،

اذا يغبنني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:

((فبدرهمين))،

قال جابر:

لا.
ولم يزل هذا الحديث الفكه هكذا،

ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يرفع له في سعر الجمل حتى بلغ الاوقيه،

فقال جابر:

فقد رضيت،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((قد رضيت؟))،

قال:

نعم،

هو لك،

قال:

((قد اخذته)).
ثم انتقل الحوار الكريم الى مجال اخر،

وقد تحدث النبي الى جابر كما يتحدث احدنا الى اخيه او صديقه حديث الرجل للرجل،

مع ظرف وطرف ولطف:
فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – لجابر:

((يا جابر،

هل تزوجت بعد؟))،

قال:

نعم يا رسول الله،

قال:

((اثيبا ام بكرا؟))،

قال:

بل ثيبا،

قال:

((افلا جاريه،

تلاعبها وتلاعبك؟))،

قال:

يا رسول الله،

ان ابي اصيب يوم احد،

وترك بنات له سبعا،

فنكحت امراه جامعه؛

تجمع رؤوسهن،

وتقوم عليهن،

قال:

((اصبت ان شاء الله)).
ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم

((اما انا لو قد جئنا صرارا [موضع قرب المدينه] امرنا بجزور فنحرت،

واقمنا عليها يومنا ذلك،

وسمعت بنا،

فنفضت نمارقها))،

قال:

والله يا رسول الله،

ما لنا من نمارق!
قال:

((انها ستكون،

فاذا انت قدمت،

فاعمل عملا كيسا)).
واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين [الشعراء:

215].
قال جابر:

فلما جئنا صرارا،

امر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بجزور فنحرت،

فاقمنا عليها ذلك اليوم،

فلما امسى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – دخل،

ودخلنا،

فلما اصبحت اخذت براس الجمل فاقبلت به؛

حتى انخته على باب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم جلست في المسجد قريبا منه،

وخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فراى الجمل،

فقال:

((ما هذا؟))،

قالوا:

يا رسول الله،

هذا جمل جاء به جابر،

قال:

((فاين جابر؟))،

فدعيت له،

قال:

((تعال،

اي يا بن اخي،

خذ براس جملك،

فهو لك)).
فدعا بلالا،

فقال:

((اذهب بجابر،

فاعطه اوقيه))،

فذهبت معه فاعطاني اوقيه،

وزادني شيئا يسيرا.
قال جابر:

فوالله ما زال ينمي عندنا،

ونرى مكانه من بيتنا .
ولا تنقضي مواقف الرسول الرحيم الرؤوف بامته،

وبسائر بني البشر،

فهي مدرسة تحتاج ان نلجها صبحا ومساء؛

كي ناخذ زادا يعيننا على السير على طريق الحق والخير؛

طريق الرسول الكريم.

الفصل الثاني
مراعاه النفسيات المختلفه
مع اتفاق بني البشر في طبائع معينه،

الا ان الله خلق لكل انسان شخصيه خاصة به،

وطباعا تتعلق به وحده،

يتوارثها او يكتسبها من بيئته،

كما ان لكل فرد نفسيه خاصة تحتاج لفهم؛

حتى لا نسبب الاذى،

او نقلل شان احد دون وعي او ادراك،

وهذا فن اخر يعلمنا اياه رسول الانسانيه – صلى الله عليه وسلم – من خلال تعامله مع صحابته ومع غيرهم من افراد المجتمع في المدينه.
ولنتامل بعضا من تعامله مع تلك النفسيات المتباينه،

كيف تعامل معها جميعا،

وجمعها في وحده واحده،

وعلى طريق واحد؟
تعامله مع الصديق – رضي الله عنه
فها هو مع صاحبه وخليلة ابي بكر يقدر له تلك النفس الرقيقه،

ويختاره صاحبا له في الهجره،

ولم يقل حينها:

انا احتاج الى رفيق قوي يحمي الدعوه؛

وانما راه رجل تلك الرحله – والتي كانت من كبرى احداث الاسلام – بل كاد ان يتوقف عليها مستقبل الدعوه باكملها،

ثم ها هو يختاره في اشد اللحظات حرجا؛

ليؤكد انه الاصلح لخلافته.
لما مرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مرض الموت،

واشتد عليه الوجع،

لم يستطع القيام ليصلي بالناس،

فقال وهو على فراشه:

((مروا ابا بكر فليصل بالناس))،

قالت ام المؤمنين عائشه بنت الصديق – رضي الله عنها

ان ابا بكر رجل اسيف،

اذا قام مقامك لم يستطع ان يصلي بالناس؛

اي:

من شده التاثر والبكاء،

وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يعلم ذلك عن ابي بكر،

انه رجل رقيق يغلبه البكاء،

خاصة في هذا الموطن،

لكنه – صلى الله عليه وسلم – كان يشير الى احقيه ابي بكر بالخلافه من بعده،

فاعاد – صلى الله عليه وسلم – الامر:

((مروا ابا بكر فليصل بالناس) حتى صلى ابو بكر.
تعامله مع عمر بن الخطاب:
وتعامل – صلى الله عليه وسلم – مع عمر القوي الجريء في الحق الذي لا يرضى بالدنيه،

وزكى شجاعته
وقوته بتلقيبه بالفاروق،

وبقوله له:

((ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا،

الا سلك فجا غير فجك) .


وهنا في هذا الموقف نجد لعمر حضورا يسعد به النبي.
لقد خرج النبي – صلى الله عليه وسلم – مع اصحابه الى بدر،

فلما سمع بخروج قريش عرف ان رجالا من قريش سيحضرون الى ساحه المعركه كرها،

ولن يقع منهم قتال على المسلمين.
فقام – صلى الله عليه وسلم – في اصحابه وقال:

((اني قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد اخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا؛

فمن لقي منكم احدا من بني هاشم،

فلا يقتله،

ومن لقي ابا البختري بن هشام،

فلا يقتله،

ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلا يقتله؛

فانه انما خرج مستكرها)).
وقيل:

ان العباس كان مسلما يكتم اسلامه،

فلم يحب النبي – صلى الله عليه وسلم – ان يقتله المسلمون.
كانت هذه المعركه اول معركه تقوم بين الفريقين:

المسلمين وكفار قريش.
وكانت نفوس المسلمين مشدوده،

فهم لم يستعدوا لقتال،

وسيقاتلون اقرباء وابناء واباء.
وهذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يمنعهم من قتل البعض،

وكان عتبه بن ربيعه من كبار كفار قريش،

ومن قاده الحرب،

وكان ابنه ابو حذيفه بن عتبه بن ربيعه مع المسلمين،

فلم يصبر ابو حذيفه،

بل قال:

انقتل اباءنا وابناءنا واخواننا،

ونترك العباس

والله لئن لقيته لالحمنه بالسيف.
فبلغت كلمته رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فالتفت النبي – عليه الصلاة والسلام – فاذا حوله اكثر من ثلاثمائه بطل،

فوجه نظره فورا الى عمر،

ولم يلتفت الى غيره وقال:

((يا ابا حفص،

ايضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟!)).
قال عمر:

والله،

انه لاول يوم كناني فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بابي حفص.
وكان عمر رهن اشاره النبي – صلى الله عليه وسلم – ويعلم انهم في ساحه قتال لا مجال فيها للتساهل في التعامل مع من يخالف امر القائد،

او يعترض امام الجيش،

فاختار عمر حلا صارما،

فقال:

يا رسول الله،

دعني فلاضرب عنقه بالسيف،

فمنعه النبي – صلى الله عليه وسلم – وراى ان هذا التهديد كاف في تهدئه الوضع.
كان ابو حذيفه – رضي الله عنه – رجلا صالحا،

فكان بعدها يقول:

ما انا بامن من تلك الكلمه التي قلت يومئذ،

ولا ازال منها خائفا الا ان تكفرها عني الشهاده،

فقتل يوم اليمامه شهيدا.
هذا عمر،

كان – رضي الله عنه – يعلم بنوع الاعمال التي يسندها اليه،

فليس الامر متعلقا بجمع صدقات،

ولا باصلاح متخاصمين،

ولا بتعليم جاهل؛

وانما هم في ساحه قتال،

فكانت الحاجة الى الرجل الحازم المهيب اكثر منها الى غيره؛

لذا اختار عمر واستثاره:

((ايضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟!) .


وهذا الموقف الاخر الذي يرويه لنا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود يؤكد لنا كيف زكى رسول الله صاحبيه الاثنين،

وراى في كل منهما شبها باحد الانبياء،

فلم يعتب على احد منهما في رايه،

وانما راى لكل منهما نفسيه خاصة يصدر عنها في رايه؛

فقدر هذا ورحب به،

فليتنا نتشبه بفعل رسول الله ونقتدي بفعله الكريم؛

فعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال:

لما كان يوم بدر قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((ما تقولون في هؤلاء الاسرى؟) فقال ابو بكر:

يا رسول الله،

قومك واهلك،

استبقهم واستان بهم،

لعل الله ان يتوب عليهم،

وقال عمر:

يا رسول الله،

اخرجوك وكذبوك،

قربهم فاضرب اعناقهم،

وقال عبد الله بن رواحه:

يا رسول الله،

انظر واديا كثير الحطب،

فادخلهم فيه ثم اضرم عليهم نارا،

فقال العباس:

قطعت رحمك،

فدخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يرد عليهم شيئا،

فقال ناس:

ياخذ بقول ابي بكر،

وقال ناس:

ياخذ بقول عمر،

وقال ناس:

ياخذ بقول عبد الله بن رواحه،

فخرج عليهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال:

((ان الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون الين من اللبن،

وان الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون اشد من الحجاره،

وان مثلك يا ابا بكر،

كمثل ابراهيم – عليه السلام – قال:

{فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم [ابراهيم:

36]،

ومثلك يا ابا بكر كمثل عيسى قال:

{ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم [المائده:

118]،

وان مثلك يا عمر كمثل نوح؛

اذ قال:

{رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا [نوح:

26]،

وان مثلك يا عمر كمثل موسى قال:

{ربنا اطمس على اموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم [يونس:

88]،

ثم قال – صلى الله عليه وسلم

((انتم عاله،

فلا ينفلتن منهم احد الا بفداء او ضرب عنق))  .


تعامله مع ابي ذر:
كان رسول الله بما اوتي من فهم،

قد ادرك نفسيه ابي ذر التي تكره الظلم،

وتاخذ نفسها بالشده والزهد،

فوجهه الى ان يكون نصيرا للمحتاجين ثابتا على مبدا الحق،

وان خالفه الناس؛

ولانه فهم تلك النفسيه العازفه عن الدنيا قال له عندما طلب الاماره يوما:
يا رسول الله،

الا تستعملني في اي منصب،

قال:

فضرب بيده على منكبي،

ثم قال:

((يا ابا ذر،

انك ضعيف،

وانها امانه،

وانها يوم القيامه خزي،

وندامه الا من اخذها بحقها،

وادى الذي عليه فيه) .


تعامله مع ابي سفيان:
كان ابو سفيان من اكثر المشركين عداء لرسول الله ولدعوه الاسلام،

وكان احد القواد الذين يقودون المعارك ضد رسول الله،

ولكن رسول الله كان يود له الخير،

ويرجو ان يهديه الله الى دينه الحق؛

لذا تعامل مع نفسيته التي تحب الفخر والتي اعتادت على مظهر القوه،

وقدم له الدليل العملي على قوه الاسلام،

وانتشار امره في الجزيره العربيه؛

مما كان له اثره الكبير في نفس ابي سفيان؛

فاستجاب لداعي الحق واعلن اسلامة عقب الفتح.
ولنر في حديث العباس كيف تعامل الرسول مع ابي سفيان قائد جيش المشركين قبل اسلامه:
قال العباس:

قلت:

يا رسول الله،

ان ابا سفيان رجل يحب الفخر،

فاجعل له شيئا،

قال:

((نعم،

من دخل دار ابي سفيان فهو امن،

ومن اغلق بابه فهو امن،

ومن دخل المسجد فهو امن))،

فلما ذهب لينصرف،

قال رسول الله:

((يا عباس،

احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل،

حتى تمر به جنود الله فيراها))،

قال:

فخرجت حتى حبسته حيث امرني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومرت القبائل على راياتها،

كلما مرت قبيله،

قال:

يا عباس،

من هذه

فاقول:

سليم،

فيقول:

ما لي ولسليم،

ثم تمر به القبيله،

فيقول:

يا عباس،

من هؤلاء

فاقول:

مزينه،

فيقول:

ما لي ولمزينه،

حتى مر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في كتيبته الخضراء،

فيها المهاجرون والانصار،

لا يرى منهم الا الحدق من الحديد،

قال:

سبحان الله يا عباس

من هؤلاء

قال:

قلت:

هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المهاجرين والانصار،

قال:

ما لاحد بهؤلاء قبل ولا طاقه،

ثم قال:

والله يا ابا الفضل،

لقد اصبح ملك ابن اخيك اليوم عظيما،

قال:

قلت:

يا ابا سفيان،

انها النبوه،

قال:

فنعم اذا،

قال:

قلت:

النجاء الى قومك.
ان في هذه القصة دروسا وعبرا وحكما في كيفية معامله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للنفوس البشريه،

ومن اهم هذه الدروس:
عندما اصبح ابو سفيان رهينه بيد المسلمين،

واصبح رهن اشاره النبي – صلى الله عليه وسلم – وهم به عمر،

واجاره العباس،

ثم جاء في صبيحه اليوم الثاني ليمثل بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكانت المفاجاه الصاعقه له بدل التوبيخ والتهديد والاذلال ان يدعى الى الاسلام،

فتاثر بهذا الموقف واهتز كيانه،

فلم يملك الا ان يقول:

بابي انت وامي يا محمد،

ما احلمك واكرمك واوصلك

انه يفدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بابيه وامه،

ويثني عليه الخير كله:

ما احلمك واكرمك واوصلك

.
وعندما قال العباس للنبي – صلى الله عليه وسلم

ان ابا سفيان رجل يحب الفخر،

فاجعل له شيئا،

قال النبي – صلى الله عليه وسلم

((نعم،

من دخل دار ابي سفيان فهو امن))،

ففي تخصيص بيت ابي سفيان شيء يشبع ما تتطلع اليه نفس ابي سفيان،

وفي هذا تثبيت له على الاسلام وتقوية لايمانه،

وكان هذا الاسلوب النبوي الكريم عاملا على امتصاص الحقد من قلب ابي سفيان،

وبرهن له بان المكانه التي كانت له عند قريش،

لن تنتقص شيئا في الاسلام،

ان هو اخلص له وبذل في سبيله،

وهذا منهج نبوي كريم،

على العلماء والدعاه الى الله ان يستوعبوه ويعملوا به في تعاملهم مع الناس .


تعامله مع نفسيات زوجاته:
مما لا شك فيه ان زواج الرجل باكثر من زوجه له نتائج كارثيه في كثير من البيئات،

ليس بسبب الزواج نفسه،

ولكن لان الرجل الذي يتزوج لا يحسن التعامل مع نفسيه زوجتيه الاولى او الثانيه،

فهو لا يقدر ان الغيره امر طبعي في فطره المراه،

فلا يعمل على علاجها او التقليل منها،

وهو كذلك لا يقدر الم الزوجه الاولى النفسي؛

لانها من عاشت معه السنوات الاولى التي يكون فيها دائما الكثير من المصاعب التي تتحملها الزوجه راضيه مع زوجها؛

لذا فان رسول الله – الذي جمع بين تسعه نساء – يقدم لنا النموذج الراقي في التعامل مع النساء وغيرتهن الطبيعيه،

ولنقرا ذلك الموقف الذي حدث مع ام المؤمنين عائشه – رضي الله عنها – وكيف كان متفهما لموقفها،

وفي نفس الوقت كان يدعوها الى تصحيح ما اخطات.
تروي ام سلمه انها اتت بطعام في صحفه لها الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واصحابه،

فجاءت عائشه متزره بكساء،

ومعها فهره،

فلقت به الصحفه،

فجمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بين فلقتي الصحفه،

ويقول:

كلوا،

غارت امكم مرتين،

ثم اخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صحفه عائشه،

فبعث بها الى ام سلمه،

واعطى صحفه ام سلمه عائشه .


تعامله مع الاعراب:
اما الاعراب،

فهم ابناء بيئه جافة خشنه،

تجعل نفوسهم اقرب الى الجفاء منها الى الود،

يحتاجون في التعامل معهم الى نفس هادئه حليمه،

تفهم طبيعتهم،

وتقدر نفسياتهم،

فتبسط اليهم الود؛

حتى وان بدؤوك بالعدوان،

فلنتعلم من مدرسة النبوه،

ولنقف على بعض تلك المواقف التي تزيدنا حبا وتعلقا برسولنا الكريم:
ولنستمع الى انس بن مالك يروي لنا:
كنت امشي مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعليه برد نجراني غليظ الحاشيه،

فادركه اعرابي،

فجبذه بردائه جبذه شديده،

حتى نظرت الى صفحة عاتق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد اثرت بها حاشيه البرد من شده جبذته،

ثم قال:

يا محمد،

مر لي من مال الله الذي عندك،

فالتفت اليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم ضحك،

ثم امر له بعطاء .


ان هذا الاعرابي لا يعجبه المنطق الدقيق،

ولا الطبع الرفيق،

قدر ما يعجبه عطاء يملا جيبوبه،

ويسكن مطامعه .


وفي يوم اقبل رجل الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فساله مالا،

فاعطاه النبي الكريم قطيعا من غنم بين جبلين،

فرجع الرجل الى قومه،

فقال:

((يا قوم،

اسلموا؛

فان محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقه .


مع الانصار بعد غزوه حنين:
واننا لنعجب من موقف الرسول – صلى الله عليه وسلم – من الانصار بعد غزوه حنين؛

اذ ادرك ما بنفوسهم،

فتعامل مع نفسياتهم المتاثره بحب بالغ حتى بكت قلوبهم،

ودمعت اعينهم تاثرا وحبا لرسول لله،

وايثارا لما عند الله،

فلله دره من معلم

وها هي القصة يرويها لنا ابو سعيد الخدري – رضي الله عنه
لما اصاب رسول الله الغنائم يوم حنين،

وقسم للمؤلفه قلوبهم من قريش وسائر العرب ما قسم،

ولم يكن في الانصار شيء منها – قليل ولا كثير – وجد هذا الحي من الانصار في انفسهم حتى قال قائلهم:

لقي والله رسول الله قومه،

فمشي سعد بن عباده الى رسول الله،

فقال:

يا رسول الله،

ان هذا الحي من الانصار وجدوا عليك في انفسهم

قال:

((فيم؟))،

قال:

فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب،

ولم يكن فيهم من ذلك شيء،

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((فاين انت من ذلك يا سعد؟))،

قال:

ما انا الا امرؤ من قومي،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((اجمع لي قومك في هذه الحظيره،

فاذا اجتمعوا فاعلمني))،

فخرج سعد فصرخ فيهم،

فجمعهم في تلك الحظيره،

حتى اذا لم يبق من الانصار احد الا اجتمع له،

اتاه،

فقال:

يا رسول الله،

اجتمع لك هذا الحي من الانصار حيث امرتني ان اجمعهم،

فخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقام فيهم خطيبا،

فحمد الله واثنى عليه بما هو اهله،

ثم قال:

((يا معشر الانصار،

الم اتيكم ضلالا فهداكم الله،

وعاله فاغناكم الله،

واعداء فالف الله بين قلوبكم؟))،

قالوا:

بلى

قال رسول الله:

((الا تجيبوني يا معشر الانصار؟))،

قالوا:

وما نقول يا رسول الله

وبماذا نجيبك

المن لله ورسوله،

قال:

((والله،

لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم:

جئتنا طريدا فاويناك،

وعائلا فاسيناك،

وخائفا فامناك،

ومخذولا فنصرناك))،

فقالوا:

المن لله ورسوله،

فقال:

((اوجدتم في نفوسكم يا معشر الانصار في لعاعه من الدنيا،

تالفت بها قوما اسلموا،

ووكلتكم الى ما قسم الله لكم من الاسلام،

افلا ترضون يا معشر الانصار ان يذهب الناس الى رحالهم بالشاء والبعير،

وتذهبون برسول الله الى رحالكم

فوالذي نفسي بيده،

لو ان الناس سلكوا شعبا وسلكت الانصار شعبا،

لسلكت شعب الانصار،

ولولا الهجره لكنت امرا من الانصار،

اللهم ارحم الانصار،

وابناء الانصار،

وابناء ابناء الانصار))،

فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم،

وقالوا:

رضينا بالله ربا،

ورسوله قسما،

ثم انصرف وتفرقوا .


الفصل الثالث
مراعاه الظروف والمواقف المختلفه
مما لا شك فيه ان الظروف المختلفة التي تمر بالانسان،

لها اثرها على تفكيره وتعامله،

وانه قد يتصرف في موقف ما غير تصرفه في موقف اخر،

ففي وقت الخوف نقبل من الناس ما لا نقبل منهم وقت الامن،

وهم في وقت الفرح يقولون ما لا يقبلون به في وقت الحزن،

ولقد راينا كيف كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين يتعامل مع الناس يراعي تلك الحالات الشعوريه التي تختلف عند كل موقف،

كما كان يراعي اختلاف احوال الشخص،

فلا يكلفه بما لا يطيق او يعنفه في امر لم يكن بيده.
ولننظر الى مواقف الرسول العظيم،

وكيف كان متفهما ومدركا لمشاعر اصحابه في كل موقف:
اخذ بنفسي الذي اخذ بنفسك:
فها هو مع بلال – رضي الله عنه – يظهر رفقا وحلما،

ولم يعنف مثلما نفعل كثيرا نحن مع الاصحاب والابناء:
ولنقف مع روايه ابي هريره يحدثنا عن ذلك الموقف:
ان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين قفل من غزوه خيبر،

فسار ليلة حتى اذا ادركه الكرى عرس،

وقال لبلال:

اكلا لنا الليل،

فصلى بلال ما قدر له،

ونام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واصحابه،

فلما تقارب الفجر،

استند بلال الى راحلته مواجه الفجر،

فغلبت بلالا عيناه وهو مستند الى راحلته،

فلم يستيقظ بلال ولا احد من اصحابه حتى ضربتهم الشمس،

فكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اولهم استيقاظا،

ففزع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال:

اي بلال،

فقال بلال:

اخذ بنفسي الذي اخذ بنفسك بابي انت وامي يا رسول الله،

قال:

اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شيئا،

ثم توضا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وامر بلالا فاقام الصلاه،

فصلى بهم الصبح،

فلما قضى النبي – صلى الله عليه وسلم – الصلاه،

قال:

من نسي صلاه،

فليصلها اذا ذكرها؛

فان الله – عز وجل – قال:

{واقم الصلاة لذكري [طه:

14] .


وهكذا راينا الحبيب يتفهم تعب بلال،

ويقدر حالته،

فلا يغضب ولا يعنف!
يا عمرو،

صليت باصحابك وانت جنب؟
ثم نراه مع عمرو بن العاص ايضا متفهما ورافعا للحرج؛

اذ حدث ان احتلم عمرو بن العاص في ليلة بارده،

وخشي على نفسه ان اغتسل ان يعتل،

فتيمم وصلى بالناس،

وكان بعض الصحابه شك في هذا الصنيع من عمرو،

فذهب الى النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول له:

ان عمرا صلى بنا وهو جنب

قال الرسول:

يا عمرو،

صليت باصحابك وانت جنب

فاخبره بالذي منعه من الاغتسال،

لقد خشي على نفسه من قسوه البرد،

والله يقول:

{ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما [النساء:

29]،

فضحك الرسول ولم يقل شيئا .


ليسوا فرارا،

ولكنهم الكرار – ان شاء الله عز وجل:
في السنه الثامنة من الهجره جمع الروم جيشا،

واقبل من جهه الشام لقتال النبي – صلى الله عليه وسلم – واصحابه،

بدا – صلى الله عليه وسلم – يجهز جيشا لارساله اليهم،

فلم يزل يحث الناس حتى جمع ثلاثه الاف،

فزودهم بما وجد من سلاح وعتاد،

قال لهم:

اميركم زيد بن حارثه،

فان اصيب زيد فجعفر بن ابي طالب على الناس،

فان اصيب جعفر فعبد الله بن رواحه،

ثم خرج معهم – صلى الله عليه وسلم – يودعهم،

وخرج الناس يودعون الجيش ويقولون:

صحبكم الله،

ودفع عنكم،

وردكم الينا صالحين.
ثم مضى الجيش حتى نزلوا “معان” من ارض الشام،

فبلغهم ان هرقل – ملك الروم – قد نزل من ارض البلقاء في مائه الف من الروم،

وانضم اليه من القبائل حوله مائه الف،

فصار جيش الروم مائتي الف،

فلما تيقن المسلمون من ذلك،

اقاموا في “معان” ليلتين ينظرون في امرهم،

فقال بعضهم:

نكتب الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نخبره بعدد عدونا،

فاما ان يمدنا بالرجال،

او يامرنا بما يشاء،

فنمضي له،

وكثر كلام الناس في ذلك،

فقام عبد الله بن رواحه،

ثم صاح بالناس،

وقال:

يا قوم،

والله ان التي تكرهون،

هي التي خرجتم تطلبون،

الشهاده في سبيل الله،

تفرون منها،

وما نقاتل الناس بعدد ولا قوه ولا كثره،

ما نقاتلهم الا بهذا الدين الذي اكرمنا الله به،

فانطلقوا فانما هي احدى الحسنيين:

اما ظهور،

واما شهاده،

فمضى الناس يسيرون،

حتى اذا دنوا من جيش الروم في موقعه:

“مؤته”،

فاذا اعداد عظيمه لا قبل لاحد بها.
قال ابو هريره – رضي الله عنه

شهدت يوم “مؤته”،

فلما دنا منا المشركون،

راينا ما لا قبل لاحد به من العده والسلاح،

والكراع،

والديباج،

والحرير،

والذهب،

فبرق بصري،

فقال لي ثابت بن ارقم:

يا ابا هريره،

كانك ترى جموعا كثيرة

قلت:

نعم،

قال:

انك لم تشهد بدرا معنا،

انا لم ننصر بالكثره،

ثم التقى الناس،

فاقتتلوا،

فقاتل زيد بن حارثه برايه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى كثرت عليه الرماح،

وسقط صريعا شهيدا،

فاخذ الرايه جعفر – بكل بطوله – فاقتحم عن فرس له شقراء،

فجعل يقاتل القوم.
اخذ جعفر اللواء بيمينه فقطعت،

فاخذ اللواء بشماله فقطعت،

فاحتضنه بعضديه حتى قتل – وهو ابن ثلاث وثلاثين سنه – قال ابن عمر:

وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل،

فعددت به خمسين:

بين طعنه،

وضربه،

ليس منها شيء في دبره،

فاثابه الله بذلك جناحين في الجنه يطير بهما حيث يشاء.
ان رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربه فقطعته نصفين،

فلما قتل جعفر،

اخذ عبد الله بن رواحه الرايه،

ثم تقدم بها وهو على فرسه،

فجعل يستنزل نفسه،

ويتردد بعض التردد،

ويقول:
اقسمت يا نفس لتنزلنه = طائعه او لتكرهنه
ان اجلب الناس وشدوا الرنه =  ما لي اراك تكرهين الجنه
ثم قال:
يا نفس الا تقتلي تموتي  =  هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد اعطيت  =  ان تفعلي فعلهما هديت
ثم نزل،

فلما نزل اتاه ابن عم له بعرق من لحم،

شد بهذا صلبك؛

فانك قد لقيت في ايامك هذه ما لقيت،

فاخذه من يده،

فانتهش منه نهشه،

ثم سمع الحطمه في ناحيه الناس،

فقال:

وانت في الدنيا

فالقاه من يده،

ثم اخذ سيفه ثم تقدم،

فقاتل حتى قتل – رضي الله عنه – فوقعت الرايه،

واضطرب المسلمون،

وابتهج الكافرون والرايه تطؤها الخيل ويعلوها الغبار،

فاقبل البطل ثابت بن ارقم،

ثم رفعها،

وصاح:

يا معاشر المسلمين،

هذه الرايه فاصطلحوا على رجل منكم،

فتصايح من سمعه وقالوا:

انت،

انت،

قال:

ما انا بفاعل،

فاشاروا الى خالد بن الوليد،

فلما اخذ الرايه،

قاتل بقوه،

حتى انه كان يقول:

لقد اندق في يدي يوم مؤته تسعه اسياف،

فما بقي في يدي الا صفيحه يمانيه ثم انحاز خالد بالجيش،

وانحاز الروم الى معسكرهم.
خشي خالد ان يرجع بالجيش الى المدينه من ليلته،

فيتبعهم الروم،

فلما اصبحوا غير خالد مواقع الجيش،

فجعل مقدمه الجيش في المؤخره،

وجعل مؤخره الجيش مقدمه،

ومن كانوا يقاتلون في يمين الجيش امرهم بالانتقال الى يساره،

وامر من في الميسره ان يذهبوا للميمنه،

فلما ابتدا القتال واقبل الروم،

فاذا كل سريه منهم ترى رايات جديدة ووجوها جديده،

فاضطرب الروم وقالوا:

قد جاءهم في الليل مدد،

فرعبوا في القتال،

فقتل المسلمون منهم مقتله عظيمه،

ولم يقتل من المسلمين الا اثنا عشر رجلا،

وانسحب خالد بالجيش اخر النهار من ساحه القتال،

ثم واصل مسيره نحو المدينه،

فلما اقبلوا الى المدينه،

لقيهم الصبيان يتراكضون اليهم،

ولقيتهم النساء،

فجعلوا يحثون التراب في وجوه الجيش،

ويقولون

يا فرار،

فررتم في سبيل الله،

فلما سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – ذلك،

علم انهم لم يكن امامهم الا ذلك،

وانهم فعلوا ما بوسعهم،

فقال – صلى الله عليه وسلم – مدافعا عنهم:

((ليسوا بالفرار،

ولكنهم الكرار – ان شاء الله عز وجل)).
نعم،

انتهى الامر،

وهم ابطال ما قصروا،

لكنهم بشر،

والامر كان فوق طاقتهم .


الفصل الرابع
التعامل مع المتربصين
لا يزال صراع الحق والباطل قائما الى يوم الدين،

ولا يزال الذين يتمنون القضاء على هذا الدين يتمنون فرصه للنيل منه والقضاء عليه،

ولم يخل عهد رسول الله من هؤلاء،

بعضهم يدفعه الجهل،

والبعض الاخر يدفعه حقد مقيت وبغض للحق واهله،

فكيف تعامل رسول الانسانيه مع هؤلاء المتربصين به وبدين الله،

يبغون فتنه في الارض وافسادا؟
ها هي احدى المواقف نرى فيه حسن تعامل القائد والداعيه مع المتربص به يريد قتله.
من يمنعك مني؟
في احدى الغزوات وفي طريق العوده الى المدينه،

نزل الجيش الاسلامي – حين ادركته القائله – في واد كثير العضاه – وهو نبات شوكي – فنزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر،

ونزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحت سمره،

فعلق بها سيفه.
قال جابر:

فنمنا نومه،

ثم اذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يدعونا فجئناه،

فاذا عنده اعرابي جالس،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((ان هذا اخترط سيفي وانا نائم،

فاستيقظت وهو في يده صلتا،

فقال لي:

من يمنعك مني

قلت:

الله،

فسقط السيف من يده،

فها هو ذا جالس))،

ولم يعاقبه رسول الله – صلى الله عليه وسلم .


وعفا النبي – صلى الله عليه وسلم – عن هذا الاعرابي،

فخلق العفو سجيه طبعيه في تلك النفس الزكيه؛

{وانك لعلى خلق عظيم [القلم:

4]،

{وما ارسلناك الا رحمه للعالمين [الانبياء:

107] .


ماذا كنت تحدث به نفسك؟
اراد فضاله بن عمير بن الملوح الليثي قتل النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يطوف بالبيت عام الفتح،

فلما دنا منه،

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((افضاله؟))،

قال:

نعم،

فضاله يا رسول الله،

قال:

((ماذا كنت تحدث به نفسك))،

قال:

لا شيء،

كنت اذكر الله،

قال:

فضحك النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم قال:

((استغفر الله))،

ثم وضع يده على صدره،

فسكن قلبه،

فكان فضاله يقول:

والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء احب الى منه.
رحله الطائف:
لما مات ابو طالب،

ضيقت قريش كثيرا على النبي – صلى الله عليه وسلم – في مكه،

ونالت من الاذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه ابي طالب،

فجعل – صلى الله عليه وسلم – يفكر في مكان اخر يلجا اليه يجد فيه النصره والتاييد،

فخرج الى الطائف يلتمس من قبيله ثقيف النصره والمنعه،

دخل الطائف فتوجه الى ثلاثه رجال هم ساده ثقيف واشرافهم،

وهم اخوه ثلاثه:

عبدياليل بن عمرو،

واخوه مسعود،

وحبيب،

جلس اليهم،

ودعاهم الى الله،

وكلمهم لما جاءهم له:

من نصرته على الاسلام،

والقيام معه على من خالفه من قومه،

وكان ردهم بذيئا!!
اما احدهم،

فقال:

انا امرط ثياب الكعبه ان كان الله ارسلك!
وقال الاخر:

اما وجد الله احدا يرسله غيرك؟!
وجعل الثالث يبحث متحذلقا عن عبارة يرد بها،

وحرص على ان تكون ابلغ من كلام صاحبيه،

فقال:

والله لا ارد عليك ابدا،

لئن كنت رسولا من الله – كما تقول – لانت اعظم خطرا من ان ارد عليك الكلام،

ولئن كنت تكذب على الله،

فما ينبغي لي ان اكلمك.
فقام – صلى الله عليه وسلم – من عندهم وقد يئس من خير ثقيف،

وخشي ان تعلم قريش انهم ردوه،

فيزدادوا ايذاء له،

فقال لهم:

ان فعلتم ما فعلتم،

فاكتموا علي،

فلم يفعلوا،

بل اغروا به سفهاءهم وعبيدهم،

فجعلوا يركضون وراء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسبونه ويصيحون به وقد اصطفوا صفين وهو يسرع الخطى بينهم،

وكلما رفع رجلا رضخوها بالحجاره،

وهو – صلى الله عليه وسلم – يحاول ان يسرع في خطاه؛

ليتقي ما يرمونه به من حجاره،

وجعلت قدماه الشريفتان تسيلان بالدماء وهو الكهل الذي جاوز الاربعين،

فابعد عنهم ومشي حتى جلس في موضع امن يستريح تحت ظل نخله،

وهو منشغل البال:

كيف ستستقبله قريش

كيف سيدخل مكه

فرفع طرفه الى السماء،

وقال:

اللهم اليك اشكو ضعف قوتي،

وقله حيلتي،

وهواني على الناس،

يا ارحم الراحمين،

انت رب المستضعفين،

وانت ربي،

الى من تكلني

الى بعيد يتجهمني ام الى عدو ملكته امري؟!
ان لم يكن بك غضب علي،

فلا ابالي،

ولكن عافيتك هي اوسع لي،

اعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات،

وصلح عليه امر الدنيا والاخره،

من ان ينزل بي غضبك،

او يحل علي سخطك،

لك العتبى حتى ترضى،

ولا حول ولا قوه الا بك،

فبينما هو كذلك،

فاذا بسحابه تظله،

واذا فيها جبريل – عليه السلام – فناداه:
يا محمد،

ان الله قد سمع قول قومك لك،

وما ردوا عليك،

وقد بعث لك ملك الجبال لتامره بما شئت فيهم،

وقبل ان ينطق – صلى الله عليه وسلم – بكلمه،

ناداه ملك الجبال:

السلام عليك يا رسول الله،

يا محمد،

ان الله قد سمع قول قومك لك،

وانا ملك الجبال،

قد بعثني اليك ربك لتامرني ما شئت،

ثم قبل ان ينطق – صلى الله عليه وسلم – او يختار جعل ملك الجبال يعرض عليه،

ويقول:

ان شئت تطبق عليهم الاخشبين،

وجعل ملك الجبال ينتظر الامر،

اذا به – صلى الله عليه وسلم – يطا على حظوظ النفس وشهوة الانتقام،

ويقول:
(بل استاني بهم؛

فاني ارجو ان يخرج الله من اصلابهم من يعبدالله لا يشرك به شيئا))  .


الفصل الخامس
التعامل مع الاخطاء
لم يكن المجتمع المسلم مجتمعا ملائكيا،

وانما كان مجتمعا قرانيا،

يعلمه رسول الله ويربيه على المنهج القراني الفريد.
وقد كانت تحدث منه الاخطاء:

صغيرها،

وكبيرها،

فكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يتعامل مع كل موقف،

ومع كل خطا بما يناسبه،

فليست كل الاخطاء سواء،

وبالتالي لا يكون العلاج واحدا.
اراد النبي الكريم ان يضع لنا منهجا نسترشد به في التعامل مع الاخطاء التي يقوم بها افراد المجتمع،

فعلمنا كيف نعلم الناس،

متى نعفو عنهم،

ومتى نعاقبهم،

متى نتغافل،

ومتى نتوقف ونصحح،

كما علمنا ان نستوثق من وقوع الخطا اولا؛

حتى لا نرمي الناس بالظنون،

فنحسن الظن بهم،

ثم نقدم النصح والتوجيه المناسب لكل حاله.
ولنذكر هنا نوعين من الاخطاء تعامل معهما رسول الله وعلمنا كيف يكون العلاج معهما:
الاخطاء الفرديه التي لا تؤثر الا على المخطئ:
وقد كان نهجه فيها – صلى الله عليه وسلم – الرفق والحلم،

والعفو عمن اخطا عن جهل او عن سوء فهم:
منها ذلك الموقف الذي حدث مع الاعرابي الذي بال في المسجد جاهلا انه بيت الله،

وانه مكان عباده وصلاه!
جلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوما في مجلسه المبارك يحدث اصحابه،

فبينما هم على ذلك،

فاذا برجل يدخل الى المسجد،

يلتفت يمينا ويسارا،

فبدل ان ياتي ويجلس في حلقه النبي – صلى الله عليه وسلم – توجه الى زاويه من زوايا المسجد،

ثم جعل يحرك ازاره

عجبا:

ماذا سيفعل

رفع طرف ازاره من الامام،

ثم جلس بكل هدوء يبول،

عجب الصحابه وثاروا:

يبول في المسجد؟!
وجعلوا يتقافزون ليتوجهوا اليه والنبي – صلى الله عليه وسلم – يهدئهم ويسكن غضبهم،

ويردد:

لا تزرموه،

لا تعجلوا عليه،

لا تقطعوا عليه بوله.
والنبي – صلى الله عليه وسلم – يرى هذا المنظر،

بول في المسجد ويهدئ اصحابه!
حتى اذا انتهى الاعرابي من بوله،

وقام يشد على وسطه ازاره،

دعاه النبي – صلى الله عليه وسلم – بكل رفق،

اقبل يمشي حتى اذا وقف بين يديه،

قال له بكل رفق:

ان هذه المساجد لم تبن لهذا،

انما بنيت للصلاه وقراءه القران،

ففهم الرجل ذلك ومضى،

فلما جاء وقت الصلاه،

اقبل ذاك الاعرابي وصلى معهم،

كبر النبي – صلى الله عليه وسلم – باصحابه مصليا،

فقرا ثم ركع،

فلما رفع – صلى الله عليه وسلم – من ركوعه،

قال:

سمع الله لمن حمده،

فقال المامومون:

ربنا ولك الحمد،

الا هذا الرجل قالها،

وزاد بعدها:

اللهم ارحمني ومحمدا،

ولا ترحم معنا احدا!
وسمعه النبي – صلى الله عليه وسلم – فلما انتهت الصلاه،

التفت – صلى الله عليه وسلم – اليهم وسالهم عن القائل،

فاشاروا اليه،

فناداه النبي – صلى الله عليه وسلم – فلما وقف بين يديه،

فاذا هو الاعرابي نفسه،

وقد تمكن حب النبي – صلى الله عليه وسلم – من قلبه،

حتى ود لو ان الرحمه تصيبهما دون غيرهما،

فقال له – صلى الله عليه وسلم – معلما:

لقد حجرت واسعا؛

اي:

ان رحمه الله تعالى تسعنا جميعا وتسع الناس،

فلا تضيقها علي وعليك.
فانظر كيف ملك عليه قلبه؛

لانه عرف كيف يتصرف معه،

فهو اعرابي اقبل من باديته،

لم يبلغ من العلم رتبه ابي بكر وعمر،

ولا معاذ وعمار،

فلا يؤاخذ كغيره .


وهذا معاويه بن الحكم السلمي،

اتى المدينه يسال الرسول عن خاصة اموره ويتعلم منه،

فيحدث معه ذلك الموقف الذي يرويه:
قلت لرسول الله – صلى الله عليه وسلم

اني حديث عهد بجاهليه،

فجاء الله بالاسلام،

وان رجالا منا يتطيرون،

قال:

ذلك يجدونه في صدورهم،

فلا يصدنهم،

قال:

يا رسول الله،

ورجال منا ياتون الكهنه

قال:

فلا ياتوهم،

قال:

يا رسول الله،

ورجال منا يخطون

قال:

كان نبي من الانبياء يخط،

فمن وافق خطه،

فذاك،

قال:

وبينا انا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الصلاة اذ عطس رجل من القوم؛

فقلت:

يرحمك الله،

فحدقني القوم بابصارهم،

قال:

فقلت:

واثكل امياه

ما لكم تنظرون الي،

فضرب القوم بايديهم على افخاذهم،

فلما رايتهم يسكتوني،

لكني سكت،

فلما انصرف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – دعاني،

فبابي هو وامي ما رايت معلما قبله ولا بعده احسن تعليما منه،

والله ما ضربني ولا كهرني ولا سبني،

فقال:

ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس،

وانما هي التسبيح والتكبير وتلاوه القران .


هذا تعامله مع اعرابي بال في المسجد،

ورجل تكلم في الصلاه،

عاملهم مراعيا احوالهم؛

لان الخطا من مثلهم لا يستغرب.
اخطاء تؤثر في الجميع:
تلك كانت اخطاء لا خوف منها على المجتمع،

فعلم رسول الله اصحابها وارشدهم الى الصواب في رفق وحلم،

لكن هناك في المجتمع نوع اخر من الاخطاء لا يمكن السكوت عنه ولا التغاضي عن اصحابه؛

لان لها اثرها الكبير في المجتمع،

“وذلك كان يحدث خطا شرعي من اشخاص لهم حيثيه خاصه،

او تجاوز الخطا حدود الفرديه والجزئيه،

واخذ يمثل بداية فتنه او انحراف عن المنهج،

على ان هذا الغضب يكون غضبا توجيهيا،

من غير اسفاف ولا اسراف،

بل على قدر الحاجه” .


امتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟
ولقد غضب رسول الله من عمر بن الخطاب – المبشر بالجنه – ولم يتساهل معه عندما شعر بخطر يمكن ان يهدد الدين وثباته في قلوب اصحابه،

وذلك حين اتاه عمر ومعه نسخه من التوراه،

ليقراها عليه – صلى الله عليه وسلم – فها هو جابر – رضي الله عنه – يروي لنا ذلك الموقف:
اتى عمر بن الخطاب النبي – صلى الله عليه وسلم – بكتاب اصابة من بعض اهل الكتاب،

فقراه على النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:

فغضب وقال:

((امتهوكون فيها يا ابن الخطاب

والذي نفسي بيده،

لقد جئتكم بها بيضاء نقيه،

لا تسالوهم عن شيء،

فيخبروكم بحق،

فتكذبوا به،

او بباطل،

فتصدقوا به،

والذي نفسي بيده،

لو ان موسى كان حيا،

ما وسعه الا ان يتبعني))  .


كلمه واضحه لا تحتمل تاويلا،

انها مرحلة لا زال القران يتنزل فيها،

وان الرسول – صلى الله عليه وسلم – حريص على الا يدخل الشك او الخلط قلوب اتباعه،

فكان النهي الصريح الواضح.
افتان انت يا معاذ؟!
ثم تراه – صلى الله عليه وسلم – يغضب من تطويل بعض اصحابه الصلاه،

وهم ائمه بعد ان كان – صلى الله عليه وسلم – نهى عن ذلك؛

لما فيه من تعسير ومشقه،

ولما يؤدي اليه من فتنه لبعض الضعفاء والمعذورين وذوي الاشغال،

يوجه صحابته الى تصحيح هذا الخطا؛

لانه قد ينفر الناس عن الدين،

ويبعدهم عنه.
يروي لنا ابو مسعود الانصاري – رضي الله عنه – قال:

قال رجل:

يا رسول الله،

لا اكاد ادرك الصلاة مما يطول بنا فلان،

فما رايت النبي – صلى الله عليه وسلم – في موعظه اشد غضبا من يومئذ،

فقال:

((ايها الناس،

انكم منفرون،

فمن صلى بالناس فليخفف؛

فان فيهم المريض والضعيف وذا الحاجه) .


وها هو يقول الشيء نفسه لمعاذ – رضي الله عنه – فقد كان معاذ بن جبل من اقرب الصحابه الى رسول الله،

ومن اكثرهم حرصا على طلب العلم،

فكان تعامل النبي – صلى الله عليه وسلم – مع اخطائه مختلفا عن تعامله مع اخطاء غيره.
كان معاذ يصلي مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – العشاء،

ثم يرجع فيصلي بقومه العشاء اماما بهم في مسجدهم،

فتكون الصلاة له نافله ولهم فريضه،

رجع معاذ ذات ليلة لقومه ودخل مسجدهم،

فكبر مصليا بهم،

اقبل فتى من قومه ودخل معه في الصلاه،

فلما اتم معاذ الفاتحه،

قال ولا الضالين}،

فقالوا:

{امين}،

ثم افتتح معاذ سورة البقره،

كان الناس في تلك الايام يتعبون في العمل في مزارعهم ورعيهم دوابهم طوال النهار،

ثم لا يكادون يصلون العشاء حتى ياووا الى فرشهم،

وقف هذا الشاب في الصلاة ومعاذ يقرا ويقرا،

فلما طالت الصلاة على الفتى،

اتم صلاته وحده،

وخرج من المسجد وانطلق الى بيته،

انتهى معاذ من الصلاه،

فقال له بعض القوم:

يا معاذ،

فلان دخل معنا في الصلاه،

ثم خرج منها لما اطلت،

فغضب معاذ،

وقال:

ان هذا به لنفاق،

لاخبرن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالذي صنع،

فابلغوا ذلك الشاب بكلام معاذ،

فقال الفتى:

وانا لاخبرن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالذي صنع،

فغدوا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاخبره معاذ بالذي صنع الفتى،

فقال الفتى:

يا رسول الله،

يطيل المكث عندك،

ثم يرجع فيطيل علينا الصلاه،

والله يا رسول الله،

انا لنتاخر عن صلاه العشاء مما يطول بنا معاذ،

فسال الله النبي – صلى الله عليه وسلم – معاذا:

ماذا تقرا؟!
فاذا بمعاذ يخبره انه يقرا بالبقره،

وجعل يعدد السور الطوال،

فغضب النبي – صلى الله عليه وسلم – لما علم ان الناس يتاخرون عن الصلاة بسبب الاطاله،

وكيف صارت الصلاة ثقيله عليهم،

فالتفت الى معاذ وقال:

((افتان انت يا معاذ

يعني تريد ان تفتن الناس وتبغضهم في دينهم،

اقرا ب والسماء والطارق [الطارق:

1]،

{والسماء ذات البروج [البروج:

1]،

{والشمس وضحاها [الشمس:

1]،

{والليل اذا يغشى [الليل:

1] .


وقد غضب الرسول – صلى الله عليه وسلم – ايضا من اختصام الصحابه وتجادلهم في القدر،

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال:

خرج رسول الله على اصحابه،

وهم يختصمون في القدر،

فكانما يفقا في وجهه حب الرمان من الغضب،

فقال:

((بهذا امرتم

او لهذا خلقتم

تضربون القران بعضه ببعض

بهذا هلكت الامم قبلكم) .


اتكلمني في حد من حدود الله؟
اما ذلك الخطا،

فهو اكبر من ان يتهاون فيه،

او يسكت عنه؛

انه يتعلق بحد من حدود الله!
قال عروه بن الزبير:

ان امراه سرقت في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في غزوه الفتح،

ففزع قومها الى اسامه بن زيد يستشفعونه،

قال عروه:

فلما كلمه اسامه فيها،

تلون وجه رسول الله،

فلما كان العشي،

قام رسول الله خطيبا،

فاثنى على الله بما هو اهله،

ثم قال:

((اما بعد،

فانما اهلك الناس قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه،

واذا سرق فيهم الضعيف،

اقاموا عليه الحد،

والذي نفس محمد بيده،

لو ان فاطمه بنت محمد سرقت،

لقطعت يدها) ،



ثم امر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بتلك المراه،

فقطعت يدها.
فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت،

قالت عائشه:

فكانت تاتيني بعد ذلك،

فارفع حاجتها الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم.
وهكذا يكون البناء التربوي للامه،

حين نرى العدل في اقامه شرع الله على القريب والبعيد على حد سواء،

فالناس هنا امام تشريع رباني لا يفرق بين الناس،

فهم كلهم امام رب العالمين سواء،

واصبحت معايير الشرف هي الالتزام باوامر الله تعالى،

وفي هذا الموقف الذي اثار غضب رسول الله الشديد واهتمامه الكبير – عبره للمسلمين؛

حتى لا يتهاونوا في تنفيذ احكام الله تعالى،

او يشفعوا لدى الحاكم،

من اجل تعطيل الحدود الاسلامية .


هلا شققت عن قلبه؟
وها هو موقف اخر يحدث مع اسامه بن زيد،

وهو الحب بن الحب:
بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – اصحابه الى الحرقات من قبيله جهينه،

وكان اسامه بن زيد من ضمن المقاتلين بالجيش،

ابتدا القتال في الصباح،

انتصر المسلمون وهرب مقاتلو العدو،

كان من بين جيش العدو رجل يقاتل،

فلما راى اصحابه منهزمين،

القى سلاحه وهرب،

فلحقه اسامه ومعه رجل من الانصار،

ركض الرجل وركضوا خلفه وهو يشتد فزعا،

حتى عرضت لهم شجره،

فاحتمى الرجل بها،

فاحاط به اسامه والانصاري،

ورفعا عليه السيف،

فلما راى الرجل السيفين يلتمعان فوق راسه،

واحس الموت يهجم عليه،

انتفض وجعل يجمع ما تبقى من ريقه في فمه،

ويردد فزعا:

اشهد ان لا اله الا الله،

واشهد ان محمدا عبده ورسوله،

تحير الانصاري واسامه:

هل اسلم الرجل فعلا ام انها حيله افتعلها؟
كانوا في ساحه قتال والامور مضطربه،

يتلفتون حولهم،

فلا يرون الا اجسادا ممزقه،

وايادي مقطعه،

قد اختلط بعضها ببعض،

الدماء تسيل،

النفوس ترتجف،

الرجل بين ايديهما ينظران اليه،

لا بد من الاسراع باتخاذ القرار،

ففي اي لحظه قد ياتي سهم طائش او غير طائش،

فيرديهما قتيلين،

لم يكن هناك مجال للتفكير الهادئ،

فاما الانصاري،

فكف سيفه،

واما اسامه،

فظن انها حيله،

فضربه بالسيف حتى قتله،

عادوا الى المدينه تداعب قلوبهم نشوه الانتصار.
وقف اسامه بين يدي النبي – صلى الله عليه وسلم – وحكى له قصة المعركه،

واخبره بخبر الرجل وما كان منه،

كانت قصة المعركه تحكي انتصارا للمسلمين،

وكان – صلى الله عليه وسلم – يستمع مبتهجا،

لكن اسامه قال:

ثم قتلته،

فتغير النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال:

((قال:

لا اله الا الله،

ثم قتلته؟!))،

قلت:

يا رسول الله،

لم يقلها من قبل نفسه،

انما قالها فرقا من السلاح،

فقال – صلى الله عليه وسلم

((قال:

لا اله الا الله،

ثم قتلته

هلا شققت عن قلبه؛

حتى تعلم انه انما قالها فرقا من السلاح)).
وجعل – صلى الله عليه وسلم – يحد بصره الى اسامه،

ويكرر:

((قال:

لا اله الا الله ثم قتلته

قال:

لا اله الا الله ثم قتلته

ثم قتلته

كيف لك بلا اله الا الله اذا جاءت تحاجك يوم القيامه!)).
وما زال – صلى الله عليه وسلم – يكرر ذلك على اسامه،

قال اسامه:

فما زال يكررها علي حتى وددت اني لم اكن اسلمت الا يومئذ .


الفصل السادس
التعامل مع القاده والرموز
كان رسول الله يتعامل بفن مع القاده،

فينزلهم منازلهم،

ويعرف لهم قدرهم؛

لذلك كانوا حين يتعاملون مع رسول الله،

يدركون عظمه النبوه فيه،

ويدخلون في هذا الدين العظيم الذي يعرف لكل انسان قدره ومكانته.
ولننظر في تلك المواقف العمليه؛

لنرى كيف تعامل الرسول مع بعض القاده والزعماء في قومهم:
ما مثل سهيل يجهل الاسلام:
قال سهيل بن عمرو:

لما دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مكه وظهر،

انقحمت بيتي واغلقت علي بابي،

وارسلت الى ابني عبد الله بن سهيل ان اطلب لي جوارا من محمد،

واني لا امن من ان اقتل،

وجعلت اتذكر اثري عند محمد واصحابه،

فليس احد اسوا اثرا مني،

واني لقيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم الحديبيه بما لم يلحقه احد،

وكنت الذي كاتبته،

مع حضوري بدرا واحدا،

وكلما تحركت قريش كنت فيها،

فذهب عبد الله بن سهيل الى رسول الله فقال:

يا رسول الله،

تؤمنه

فقال:

((نعم))،

هو امن بامان الله،

فليظهر،

ثم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لمن حوله:

((من لقي سهيل بن عمرو،

فلا يشد النظر اليه،

فليخرج،

فلعمري ان سهيلا له عقل وشرف،

وما مثل سهيل يجهل الاسلام،

ولقد راى ما كان يوضع فيه انه لم يكن له بنافع))،

فخرج عبد الله الى ابيه،

فقال سهيل:

كان والله برا،

صغيرا وكبيرا،

فكان سهيل يقبل ويدبر،

وخرج الى حنين مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو على شركة حتى اسلم بالجعرانه .


لقد كان لهذه الكلمات التربويه الاثر الكبير على سهيل بن عمرو؛

حيث اثنى على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالبر طوال عمره،

ثم دخل في الاسلام بعد ذلك،

وقد حسن اسلامه،

وكان مكثرا من الاعمال الصالحه،

يقول الزبير بن بكار:

كان سهيل بعد كثير الصلاة والصوم والصدقه،

خرج بجماعته الى الشام مجاهدا،

ويقال:

انه صام وتهجد؛

حتى شحب لونه وتغير،

وكان كثير البكاء اذا سمع القران،

وكان اميرا على كردوس يوم اليرموك .


ياتيكم عكرمه مهاجرا مؤمنا،

فلا تسبوا اباه:
قال عبد الله بن الزبير – رضي الله عنه

قالت ام حكيم امراه عكرمه بن ابي جهل:

يا رسول الله،

قد هرب عكرمه منك الى اليمن،

وخاف ان تقتله،

فامنه،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((هو امن))،

فخرجت ام حكيم في طلبه ومعها غلام لها رومي،

فراودها عن نفسها،

فجعلت تمنيه حتى قدمت على حي من عك،

فاستغاثتهم عليه فاوثقوه رباطا،

وادركت عكرمه،

وقد انتهى الى ساحل من سواحل تهامه،

فركب البحر،

فجعل نوتي السفينه يقول له:

اخلص،

فقال:

اي شيء اقول

قال:

قل لا اله الا الله،

قال عكرمه:

ما هربت الا من هذا،

فجاءت ام حكيم على هذا الكلام،

فجعلت تلح عليه،

وتقول:

يا ابن عم،

جئتك من عند اوصل الناس،

وابر الناس،

وخير الناس،

لا تهلك نفسك،

فوقف لها حتى ادركته،

فقالت:

اني قد استامنت لك محمدا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:

انت فعلت

قالت:

نعم،

انا كلمته فامنك،

فرجع معها،

وقال:

ما لقيت من غلامك الرومي

فخبرته خبره،

فقتله عكرمه،

وهو يومئذ لم يسلم،

فلما دنا من مكه،

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لاصحابه:

((ياتيكم عكرمه بن ابي جهل مؤمنا مهاجرا،

فلا تسبوا اباه،

فان سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت)).
قال:

وجعل عكرمه يطلب امراته يجامعها،

فتابى عليه،

وتقول:

انك كافر وانا مسلمه،

فيقول:

ان امرا منعك مني لامر كبير،

فلما راى النبي – صلى الله عليه وسلم – عكرمه وثب اليه وما على النبي – صلى الله عليه وسلم – رداء فرحا بعكرمه،

ثم جلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فوقف بين يديه،

وزوجته منتقبه،

فقال:

يا محمد،

ان هذه اخبرتني انك امنتني،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((صدقت،

فانت امن))،

فقال عكرمه:

فالام تدعو يا محمد

قال:

((ادعوك الى ان تشهد ان لا اله الا الله،

واني رسول الله،

وان تقيم الصلاة وتؤتي الزكاه،

وتفعل وتفعل))،

حتى عد خصال الاسلام،

فقال عكرمه:

والله ما دعوت الا الى الحق،

وامر حسن جميل،

قد كنت والله فينا قبل ان تدعو الى ما دعوت اليه وانت اصدقنا حديثا،

وابرنا برا،

ثم قال عكرمه:

فاني اشهد ان لا اله الا الله،

واشهد ان محمدا عبده ورسوله،

فسر بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم قال:

يا رسول الله،

علمني خير شيء اقوله،

قال:

((تقول:

اشهد ان لا اله الا الله،

وان محمدا عبده ورسوله))،

قال عكرمه:

ثم ماذا

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((تقول:

اشهد الله واشهد من حضر اني مسلم مهاجر ومجاهد))،

فقال عكرمه ذلك.
فقال رسول الله:

((لا تسالني اليوم شيئا اعطيه احدا،

الا اعطيتكه))،

فقال عكرمه:

فاني اسالك ان تستغفر لي كل عداوه عاديتكها،

او مسير وضعت فيه،

او مقام لقيتك فيه،

او كلام قلته في وجهك،

او وانت غائب عنه،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((اللهم اغفر له كل عداوه عادانيها،

وكل مسير سار فيه الى موضع يريد بذلك المسير اطفاء نورك،

فاغفر له ما نال مني من عرض:

في وجهي،

او وانا غائب عنه))،

فقال عكرمه:

رضيت يا رسول الله،

لا ادع نفقه كنت انفقها في صد عن سبيل الاسلام،

الا انفقت ضعفها في سبيل الله،

ولا قتالا كنت اقاتل في صد عن سبيل الله،

الا ابليت ضعفه في سبيل الله،

ثم اجتهد في القتال حتى قتل شهيدا.
وبعد ان اسلم رد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – امراته له بذلك النكاح الاول.
كان سلوك النبي – صلى الله عليه وسلم – في تعامله مع عكرمه لطيفا حانيا،

يكفي وحده لاجتذابه الى الاسلام،

فقد اعجل نفسه عن لبس ردائه،

وابتسم له ورحب به،

وفي روايه قال له:

((مرحبا بالراكب المهاجر))،

فتاثر عكرمه من ذلك الموقف،

فاهتزت مشاعره وتحركت احاسيسه،

فاسلم،

كما كان لموقف ام حكيم بنت الحارث بن هشام اثر في اسلام زوجها،

فقد اخذت له الامان من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وغامرت بنفسها تبحث عنه لعل الله يهديه الى الاسلام كما هداها اليه،

وعندما ارادها زوجها امتنعت عنه،

وعللت ذلك بانه كافر وهي مسلمه،

فعظم الاسلام في عينه،

وادرك انه امام دين عظيم،

وهكذا خطت ام حكيم في فكر عكرمه بداية التفكير في الاسلام،

ثم توج باسلامة بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان صادقا في اسلامه،

فلم يطلب من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – دنيا،

وانما ساله ان يغفر الله تعالى له كل ما وقع فيه من ذنوب ماضيه،

ثم اقسم امام النبي – صلى الله عليه وسلم – بان يحمل نفسه على الانفاق في سبيل الله تعالى بضعف ما كان ينفق في الجاهليه،

وان يبلي في الجهاد في سبيل الله بضعف ما كان يبذله في الجاهليه،

ولقد بر بوعده،

فكان من اشجع المجاهدين والقاده في سبيل الله  تعالى في حروب الرده،

ثم في فتوح الشام،

حتى وقع شهيدا في معركه اليرموك،

بعد ان بذل نفسه وماله في سبيل الله .


ما عندك يا ثمامه:
وهنا موقف يوضح لنا رفق الرسول وحرصه على دعوه القاده وتاليف قلوبهم دون غلظه او اذلال،

وهنا نرى كيف كان رد فعل ثمامه بعد ان عامله الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالحسنى والقول الطيب:
كانت اول حمله عسكريه وجهها النبي – صلى الله عليه وسلم – لتاديب خصومه بعد غزوه الاحزاب،

هي تلك الحمله التي جردها على القبائل النجديه من بني بكر بن كلاب،

الذين كانوا يقطنون القرطاء بناحيه ضربه،

على مسافه سبع ليال من المدينه،

ففي اوائل شهر المحرم عام خمسه للهجره،

وبعد الانتهاء مباشره من القضاء على يهود بني قريظه،

وجه – صلى الله عليه وسلم – سريه من ثلاثين من اصحابه عليهم محمد بن مسلمه لشن الغاره على بني القرطاء من قبيله بكر بن كلاب،

وذلك في العاشر من محرم سنه 6ه،

وقد داهموهم على حين غره،

فقتلوا منهم عشره وفر الباقون،

وغنم المسلمون ابلهم وماشيتهم،

وفي طريق عودتهم اسروا ثمامه بن اثال الحنفي سيد بني حنيفه،

وهم لا يعرفونه،

فقدموا به المدينه،

وربطوه بساريه من سواري المسجد،

فخرج اليه النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال:

ماذا عندك يا ثمامه

فقال:

عندي خير يا محمد،

ان تقتلني،

تقتل ذا دم،

وان تنعم،

تنعم على شاكر،

وان كنت تريد المال،

فسل منه ما شئت،

فتركه حتى كان الغد،

فقال:

ما عندك يا ثمامه

فقال:

عندي ما قلت لك،

ان تنعم،

تنعم على شاكر،

فتركه حتى كان بعد الغد،

فقال:

ما عندك يا ثمامه

فقال عندي ما قلت لك،

فقال:

اطلقوا ثمامه،

فانطلق الى نخل قريب من المسجد،

فاغتسل ثم دخل المسجد،

فقال:

اشهد ان لا اله الا الله،

واشهد ان محمدا رسول الله،

يا محمد،

والله ما كان على الارض وجه ابغض الى من وجهك،

فقد اصبح وجهك احب الوجوه الي،

والله ما كان دين ابغض الى من دينك،

فاصبح دينك احب الدين الي،

والله ما كان بلد ابغض الى من بلدك،

فاصبحت بلدك احب البلاد الي،

وان خيلك اخذتني وانا اريد العمره،

فماذا ترى

فبشره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وامره ان يعتمر،

فلما قدم مكه قال له قائل:

صبوت

قال:

لا والله،

ولكني اسلمت مع محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا والله،

لا ياتيكم من اليمامه حبه حنطه؛

حتى ياذن فيها النبي – صلى الله عليه وسلم .


وقد ابر بقسمه؛

مما دفع وجوه مكه الى ان يكتبوا الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسالونه بارحامهم ان يكتب الى ثمامه؛

ليخلي لهم حمل الطعام،

فاستجاب النبي – صلى الله عليه وسلم – لرجاء قومه بالرغم انه في حالة حرب معهم،

وكتب الى سيد بني حنيفه ثمامه:

ان خل بين قومي وبين ميرتهم،

فامتثل ثمامه امر نبيه،

وسمح لبني حنيفه باستئناف ارسال المحاصيل الى مكه،

فارتفع عن اهلها كابوس المجاعه .


يا عدي بن حاتم،

اسلم،

تسلم:
عندما وقعت اخت عدي بن حاتم في اسر المسلمين،

عاملها رسول الله معامله كريمه،

وبقيت معززه مكرمه،

ثم كساها النبي – صلى الله عليه وسلم – واعطاها ما تتبلغ به في سفرها،

وعندما وصلت الى اخيها في الشام،

شجعته على الذهاب لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فتاثر بنصيحتها وقدم على المدينه .


ونترك ابا عبيده بن حذيفه يحدثنا عن قصة اسلام عدي:
قال ابو عبيده بن حذيفه:

كنت احدث عن عدي بن حاتم،

فقلت:

هذا عدي في ناحيه الكوفه،

فلو اتيته فكنت انا الذي اسمع منه،

فاتيته فقلت:

اني كنت احدث عنك حديثا،

فاردت ان اكون انا الذي اسمعه منك،

قال:

لما بعث الله عز وجل النبي – صلى الله عليه وسلم – فررت منه حتى كنت في اقصى ارض المسلمين مما يلي الروم،

قال:

فكرهت مكاني الذي انا فيه حتى كنت اشد كراهيه له مني من حيث جئت،

قال:

قلت:

لاتين هذا الرجل،

فوالله ان كان صادقا،

فلاسمعن منه،

وان كان كاذبا،

ما هو بضائري،

قال:

فاتيته واستشرفني الناس،

وقالوا:

عدي بن حاتم،

عدي بن حاتم،

قال:

اظنه قال ثلاث مرار،

قال:

فقال لي:

يا عدي بن حاتم،

اسلم،

تسلم،

قال:

قلت:

اني من اهل دين،

قال:

يا عدي بن حاتم،

اسلم،

تسلم،

قال:

قلت:

اني من اهل دين،

قالها ثلاثا،

قال:

((انا اعلم بدينك منك))،

قال:

قلت:

انت اعلم بديني مني

قال:

((نعم) قال:

((اليس تراس قومك؟) قال:

قلت:

بلى،

قال:

فذكر محمد الركوسيه ،



قال كلمه التمسها يقيمها فتركها،

قال:

فانه لا يحل في دينك المرباع .


قال:

فلما قالها،

تواضعت لها،

قال:

((واني قد ارى ان مما يمنعك خصاصه تراها ممن حولي،

وان الناس علينا البا واحدا،

هل تعرف مكان الحيره؟) قال:

قلت:

قد سمعت بها ولم اتها،

قال:

((لتوشكن الظعينه ان تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبه،

ولتوشكن كنوز كسرى بن هرمز تفتح))،

قال:

قلت:

كسرى بن هرمز

قال:

((كسرى بن هرمز – ثلاث مرات – وليوشكن ان يبتغي من يقبل ماله منه صدقه،

فلا يجد))،

قال:

فلقد رايت اثنتين،

قد رايت الظعينه تخرج من الحيره بغير جوار حتى تطوف بالكعبه،

وكنت في الخيل التي اغارت على المدائن،

وايم الله،

لتكونن الثالثه؛

انه لحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حدثنيه .


وفي روايه جاء فيه:

فخرجت حتى اقدم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المدينه،

فدخلت عليه،

وهو في مسجده،

فسلمت عليه،

فقال:

((من الرجل؟))،

فقلت:

عدي بن حاتم،

فقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فانطلق بي الى بيته،

فوالله انه لعامد بي اليه،

اذ لقيته امراه ضعيفه كبيره،

فاستوقفته،

فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها،

قال:

قلت في نفسي:

والله ما هذا بملك،

قال:

ثم مضى بي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى اذا دخل بي بيته،

تناول وساده من ادم محشوه ليفا،

فقذفها الي،

فقال:

((اجلس على هذه))،

قال:

قلت:

بل انت فاجلس عليها،

فقال:

((بل انت))،

فجلست عليها،

وجلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالارض،

قال:

قلت في نفسي:

والله ما هذا بامر ملك .


كان النبي – صلى الله عليه وسلم – موفقا في دعوته؛

حيث كان خبيرا بادواء النفوس ودوائها،

ومواطن الضعف فيها،

وازمه قيادها،

فكان يلائم كل انسان بما يلائم علمه وفكره،

وما ينسجم مع مشاعره واحاسيسه؛

ولذلك اثر في زعماء القبائل،

ودخل الناس في دين الله افواجا .


باذان بن ساسان:
لما اسلم باذان بن ساسان وكان اميرا على اليمن،

لم يعزله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بل ابقاه اميرا عليها بعد اسلامه،

حين راى فيه الاداري الناجح والحاكم المناسب؛

مما يدلل على ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقدر الكفاءات في الرجال،

ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب،

ومن الجدير بالذكر ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد ولى ولده شهرا اميرا على اليمن بعد موته .


الفصل السابع
التعامل مع الازمات
ها هو مجتمع المدينه الذي وضع له الرسول والقائد العظيم دستورا،

فعلم الناس كيف يتعاملون مع غيرهم من اهل الكتاب الذين يجاورونهم،

ومع المنافقين الذين يتربصون لهم،

تحدث فيه ايضا الازمات والفتن،

ولقد اراد الله ذلك لتكون دروسا واضحه لنا،

نسترشد بها ونستلهم منهج التعامل معها،

فلا نقف مكتوفي الايدي عاجزين عن الفعل والحركه،

ولقد كانت اشد تلك الازمات تلك الفتن التي قامت وسعى لها المنافقون،

يريدون ان تنهدم الدوله ويقاتل المسلمون بعضهم بعضا.
فتنه الاوس والخزرج:
فبينا المسلمون على ماء المريسيع،

وردت وارده الناس ومع عمر بن الخطاب اجير له من بني غفار،

يقال له جهجاه بن مسعود،

يقود فرسه،

فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني الخزرجي،

فاقتتلا،

فصرخ الجهني:

يا معشر الانصار،

وصرخ جهجاه:

يا معشر المهاجرين؛

فغضب عبد الله بن ابي بن سلول،

وقال قولته:

اما والله:

{لئن رجعنا الى المدينه ليخرجن الاعز منها الاذل [المنافقون:

8]،

ثم اقبل على من حضره من قومه،

فقال لهم:

هذا ما فعلتم بانفسكم،

احللتموهم بلادكم،

وقاسمتموهم اموالكم،

اما والله،

لو امسكتم عنهم ما بايديكم،

لتحولوا الى غير داركم،

فسمع ذلك زيد بن ارقم،

فمشي به الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وذلك عند فراغ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من عدوه،

فاخبره الخبر،

وعنده عمر بن الخطاب،

فقال:

مر به عباد بن بشر،

فليقتله،

فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم –



((فكيف يا عمر اذا تحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه،

لا،

ولكن اذن بالرحيل))،

وذلك في ساعة لم يكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يرتحل فيها،

فارتحل الناس.
وقد مشي عبد الله بن ابي بن سلول الى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين بلغه ان زيد بن ارقم قد بلغه ما سمع منه،

فحلف بالله ما قلت ما قال،

ولا تكلمت به.
وكان في قومه شريفا عظيما،

فقال من حضر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الانصار من اصحابه:

يا رسول الله،

عسى ان يكون الغلام قد اوهم في حديثه،

ولم يحفظ ما قال الرجل؛

حدبا على ابن ابي بن سلول،

ودفعا عنه.
ولما التقى النبي – صلى الله عليه وسلم – باسيد بن حضير،

قال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((او ما بلغك ما قال صاحبكم؟))،

قال:

واي صاحب يا رسول الله

قال:

((عبد الله بن ابي))؛

قال:

وما قال

قال:

((زعم انه ان رجع الى المدينه،

ليخرجن الاعز منها الاذل))،

قال:

فانت يا رسول الله،

والله تخرجه منها ان شئت،

هو والله الذليل وانت العزيز،

ثم قال يا رسول الله:

ارفق به،

فوالله لقد جاءنا الله بك،

وان قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه،

فانه ليرى انك قد استلبته ملكا.
ثم مشي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالناس يومهم ذلك حتى امسى،

وليلتهم حتى اصبح،

وصدر يومهم ذلك حتى اذتهم الشمس،

ثم نزل بالناس،

فلم يلبثوا ان وجدوا مس الارض،

فوقعوا نياما،

وانما فعل ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالامس من حديث عبد الله بن ابي،

وجاء عبد الله بن عبد الله بن ابي الى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال:

يا رسول الله،

انه بلغني انك تريد قتل عبد الله بن ابي فيما بلغك عنه،

فان كنت لا بد فاعلا،

فمرني به،

فانا احمل اليك راسه،

فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل ابر بوالده مني،

واني اخشى ان تامر به غيري فيقتله،

فلا تدعني نفسي انظر الى قاتل عبد الله بن ابي يمشي في الناس،

فاقتله فاقتل مؤمنا بكافر،

فادخل النار،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((بل نترفق به،

ونحسن صحبته ما بقي معنا))  .


وجعل بعد ذلك اذا احدث الحدث،

كان قومه هم الذين يعاتبونه،

وياخذونه،

ويعنفونه،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شانهم:

((كيف ترى يا عمر

اما والله لو قتلته يوم قلت لي:

اقتله،

لارعدت له انوف لو امرتها اليوم بقتله،

لقتلته))،

قال عمر:

قد والله علمت لامر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اعظم بركة من امري .


وهي قصة تظهر لك حكمه منقطعة النظير،

بعد نظر وصبر؛

فبحكمته – صلى الله عليه وسلم – جنى تعاطف عشيره ابن ابي،

وفي بعد نظره رايت ما قال عمر،

وفي صبره رايت كيف سكت حتى تكلم القران،

ففضح عدو الله ابن ابي.
حديث الافك:
وتلك فتنه اخرى اعترضت طريق المؤمنين؛

كي تعلمهم وتعلمنا دروسا في التعامل مع الازمات التي تهدد سلامة المجتمع،

وتريد ان تفكك بنيانه،

وتمزق اوصاله:
ونترك امنا الطاهره عائشه – رضي الله عنها – تقص القصه،

فتقول:
1 كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اذا اراد سفرا اقرع بين ازواجه،

فايهن خرج سهمها،

خرج بها رسول الله معه،

فاقرع بيننا في غزوه غزاها – هي هذه الغزوه – فخرج فيها سهمي،

فخرجت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد ما انزل الحجاب،

فكنت احمل في هودجي،

وانزل فيه،

فسرنا.
2 حتى اذا فرغ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من غزوته تلك،

وقفل،

دنونا من المدينه قافلين،

اذن ليلة بالرحيل،

فقمت – حين اذنوا بالرحيل – فمشيت حتى جاوزت الجيش،

فلما قضيت شاني،

اقبلت الى رحلي،

فلمست صدري،

فاذا عقد لي من “جزع ظفار” قد انقطع،

فرجعت فالتمست عقدي،

فحبسني ابتغاؤه،

واقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني،

فاحتملوا هودجي،

فرحلوة على بعيري الذي كنت اركب عليه،

وهم يحسبون اني فيه،

وكان النساء اذ ذاك خفافا لم يهبلن،

ولم يغشهن اللحم،

انما ياكلن العلقه من الطعام،

فلم يستنكر القوم خفه الهودج حين رفعوه وحملوه،

وكنت جاريه حديثه السن،

فبعثوا الجمل فساروا،

ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش،

فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب،

فتيممت منزلي الذي كنت به،

وظننت انهم سيفقدونني،

فيرجعون الي.
3 فبينا انا جالسه في منزلي،

غلبتني عيني فنمت،

وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني،

من وراء الجيش،

فاصبح عند منزلي،

فراى سواد انسان نائم،

فعرفني حين راني،

وكان راني قبل الحجاب،

فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني،

فخمرت وجهي بجلبابي،

ووالله ما تكلمنا بكلمه،

ولا سمعت منه كلمه غير استرجاعه،

وهوى حتى اناخ راحلته،

فوطئ على يدها،

فقمت اليها فركبتها،

فانطلق يقود بي الراحله حتى اتينا الجيش موغرين في نحر الظهيره وهم نزول،

فهلك من هلك،

وكان الذي تولى كبر الافك عبد الله بن ابي بن سلول.
4 فقدمنا المدينه،

فاشتكيت حين قدمت شهرا،

والناس يفيضون في قول اصحاب الافك،

لا اشعر بشيء من ذلك،

وهو يريبني في وجعي اني لا اعرف من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اللطف الذي كنت ارى منه حين اشتكي،

انما يدخل علي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيسلم،

ثم يقول:

((كيف تيكم،

ثم ينصرف،

فذلك يريبني ولا اشعر بالشر،

حتى خرجت حين نقهت،

فخرجت مع ام مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا،

وكنا لا نخرج الا ليلا الى ليل،

وذلك قبل ان نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا،

فانطلقت انا وام مسطح – وهي ابنه ابي رهم بن المطلب بن عبد مناف،

وامها بنت صخر بن عامر خاله ابي بكر الصديق،

وابنها مسطح بن اثاثه بن عباد بن المطلب – فاقبلت انا وام مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شاننا،

فعثرت ام مسطح في مرطها،

فقالت:

تعس مسطح،

فقلت:

لها بئس ما قلت،

اتسبين رجلا شهد بدرا،

فقالت:

اي هنتاه

ولم تسمعي ما قال

قلت:

ما قال

فاخبرتني بقول اهل الافك،

فازددت مرضا على مرضي.
5 فلما رجعت الى بيتي،

دخل علي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فسلم،

ثم قال:

((كيف تيكم؟))،

فقلت له:

اتاذن لي ان اتي ابوي،

فاذن لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقلت:

لامي

يا امتاه ماذا يتحدث الناس

قالت:

يا بنيه،

هوني عليك،

فوالله لقلما كانت امراه قط وضيئه عند رجل يحبها لها ضرائر،

الا كثرن عليها

فقلت:

سبحان الله

اوقد تحدث الناس بهذا

فبكيت تلك الليلة حتى اصبحت،

لا يرقا لي دمع،

ولا اكتحل بنوم،

ثم اصبحت ابكي.
6 ودعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – علي بن ابي طالب واسامه بن زيد حين استلبث الوحي،

يسالهما ويستشيرهما في فراق اهله،

فاما اسامه،

فاشار على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالذي يعلم من براءه اهله،

وبالذي يعلم لهم في نفسه،

فقال اسامه:

اهلك ولا نعلم الا خيرا،

واما علي،

فقال:

يا رسول الله،

لم يضيق الله عليك،

والنساء سواها كثير،

وسل الجاريه تصدقك،

فدعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بريره،

فقال:

اي بريره،

هل رايت من شيء يريبك

قالت له بريره:

والذي بعثك بالحق ما رايت عليها امرا قط اغمصه،

غير انها جاريه حديثه السن تنام عن عجين اهلها،

فتاتي الداجن فتاكله!
7 فقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من يومه،

فاستعذر من عبد الله بن ابي – وهو على المنبر – فقال:

((يا معشر المسلمين،

من يعذرني من رجل قد بلغني عنه اذاه في اهلي،

والله ما علمت على اهلي الا خيرا،

ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا،

وما يدخل على اهلي الا معي،

فقام سعد بن معاذ الاوسي،

فقال:

انا يا رسول الله اعذرك،

فان كان من الاوس ضربت عنقه،

وان كان من اخواننا من الخزرج،

امرتنا ففعلنا امرك،

فقام رجل من الخزرج – وهو سعد بن عباده – وهو سيد الخزرج،

وكان قبل ذلك رجلا صالحا،

ولكن احتملته الحميه،

فقال لسعد:

كذبت لعمر الله،

لا تقتله ولا تقدر على قتله،

ولو كان من رهطك ما احببت ان يقتل،

فقام اسيد بن حضير وهو ابن عم سعد،

فقال لسعد بن عباده:

كذبت لعمر الله لنقتلنه؛

فانك منافق تجادل عن المنافقين،

فثار الحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائم على المنبر،

فلم يزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخفضهم حتى سكتوا وسكت.
8 فبكيت يومي ذلك كله،

لا يرقا لي دمع،

ولا اكتحل بنوم،

واصبح ابواي عندي،

وقد بكيت ليلتين ويوما،

لا يرقا لي دمع،

ولا اكتحل بنوم،

حتى اني لاظن ان البكاء فالق كبدي،

فبينا ابواي جالسان عندي وانا ابكي،

فاستاذنت علي امراه من الانصار،

فاذنت لها،

فجلست تبكي معي،

فبينا نحن على ذلك،

دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – علينا فسلم ثم جلس،

ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها،

وقد لبث شهرا لا يوحى اليه في شاني بشيء،

فتشهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين جلس،

ثم قال:

((اما بعد يا عائشه،

انه بلغني عنك كذا وكذا،

فان كنت بريئه،

فسيبرئك الله،

وان كنت الممت بذنب،

فاستغفري الله وتوبي اليه،

فان العبد اذا اعترف،

ثم تاب،

تاب الله عليه))،

فلما قضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مقالته،

قلص دمعي،

حتى ما احس منه قطره،

فقلت لابي:

اجب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عني فيما قال،

فقال ابي:

والله ما ادري ما اقول لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقلت لامي:

اجيبي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيما قال،

قالت امي:

والله ما ادري ما اقول لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقلت – وانا جاريه حديثه السن،

لا اقرا من القران كثيرا

اني والله قد عرفت انكم قد سمعتم بذاك،

حتى استقر في انفسكم وصدقتم به،

فلئن قلت لكم:

اني بريئه لا تصدقوني،

ولئن اعترفت لكم بامر – والله يعلم اني منه بريئه – لتصدقوني،

فوالله،

لا اجد لي ولكم مثلا الا ابا يوسف حين قال:

{فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [يوسف:

18]،

ثم تحولت،

واضطجعت على فراشي.
9 والله يعلم اني حينئذ بريئه،

وان الله مبرئي ببراءتي،

ولكن والله ما كنت اظن ان الله منزل في شاني وحيا يتلى،

لشاني في نفسي كان احقر من ان يتكلم الله في بامر،

ولكن كنت ارجو ان يرى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في النوم رؤيا يبرئني الله بها،

فوالله ما رام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مجلسه ولا خرج احد من اهل البيت حتى انزل عليه،

فاخذه ما كان ياخذه من البرحاء،

حتى انه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان،

وهو في يوم شات من ثقل القول الذي انزل عليه،

فسري عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يضحك،

فكانت اول كلمه تكلم بها ان قال:

((يا عائشه،

اما الله،

فقد براك))،

فقالت لي امي:

قومي اليه،

فقلت:

والله لا اقوم اليه،

فاني لا احمد الا الله – عز وجل – وانزل الله – تعالى

{ان الذين جاءوا بالافك عصبه منكم [النور:

11]،

العشر الايات،

ثم انزل الله هذا في براءتي.
10 قال ابو بكر الصديق – وكان ينفق على مسطح بن اثاثه لقرابته منه وفقره

والله،

لا انفق على مسطح شيئا ابدا بعد الذي قال لعائشه ما قال،

فانزل الله:
ولا ياتل اولو الفضل منكم والسعه ان يؤتوا اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم والله غفور رحيم [النور:

22].
قال ابو بكر الصديق:

بلى والله،

اني لاحب ان يغفر الله لي،

فارجع الى مسطح النفقه التي كان ينفق عليه،

وقال:

والله لا انزعها منه ابدا.
11 وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سال زينب بنت جحش عن امري،

فقال لزينب:

((ماذا علمت او رايت؟))،

فقالت:

يا رسول الله،

احمي سمعي وبصري،

والله ما علمت الا خيرا!
قالت عائشه:

وهي التي كانت تساميني من ازواج النبي – صلى الله عليه وسلم – فعصمها الله بالورع،

وطفقت اختها حمنه تحارب لها،

فهلكت فيمن هلك) .


الفصل التاسع
كيفية التعليم
اذا اردنا منهجا متميزا في تعليم الناس او دعوتهم الى الحق،

فلن نجد اعظم ولا افضل من المنهج النبوي الفريد في التعليم والتربيه،

وهي ليست كلمات نظريه كتلك التي نقرؤها في كتب التربيه،

ومناهج التدريس،

بل هي مواقف عملية ودروس تربويه،

تصلح ان تكون فنا او اصولا يتبعها المربون لاصلاح وتربيه الصغار والكبار على السواء.
ولنتامل بعضا من طرق ووسائل تعليمه – صلى الله عليه وسلم – لامته:
لله ارحم بعباده من هذه بولدها:
كان – صلى الله عليه وسلم – تحدث امامه احداث معينه،

فينتهز مشابهه ما يرى لمعنى معين يريد تعليمه للصحابه،

ومشاكلته لتوجيه مناسب يريد بثه لاصحابه،

وعندئذ يكون هذا المعنى،

وذلك التوجيه اوضح ما يكون في نفوسهم – رضوان الله عليهم – ومن ذلك ما رواه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال:

قدم على النبي – صلى الله عليه وسلم – سبي،

فاذا امراه في السبي قد تحلب ثدياها تسعى،

اذا وجدت صبيا في السبي،

اخذته فالصقته ببطنها،

وارضعته،

فقال لنا النبي – صلى الله عليه وسلم

((اترون هذه طارحه ولدها في النار؟) قلنا:

لا،

وهي تقدر على الا تطرحه،

فقال:

((لله ارحم بعباده من هذه بولدها) .


“فانتهز – صلى الله عليه وسلم – المناسبه القائمة بين يديه مع اصحابه،

المشهود فيها حنان الام الفاقده على رضيعها اذ وجدته،

وضرب بها المشاكله والمشابهه برحمه الله – تعالى – ليعرف الناس رحمه رب الناس بعباده” .


انما انا لكم بمنزله الوالد:
ان استعمال لطيف الخطاب ورقيق العبارات،

يؤلف القلوب،

ويستميلها الى الحق،

ويدفع المستمعين الى الوعي والحفظ،

فقد كان – صلى الله عليه وسلم – يمهد لكلامه وتوجيهه بعبارة لطيفه رقيقه،

وبخاصة اذا كان بصدد تعليمهم ما قد يستحيا من ذكره،

كما فعل عند تعليمهم اداب الجلوس لقضاء الحاجه؛

اذ قدم لذلك بانه مثل الوالد للمؤمنين،

يعلمهم شفقه بهم،

فقد قال – صلى الله عليه وسلم

((انما انا لكم بمنزله الوالد اعلمكم؛

فاذا اتى احدكم الغائط،

فلا يستقبل القبله،

ولا يستدبرها،

ولا يستطب بيمينه) .


لقد راعى المعلم الاول – صلى الله عليه وسلم – جمله من المبادئ التربويه الكريمه،

كانت غايه في السمو الخلقي والكمال العقلي – وذلك في تعليقه على ما صدر من بعض الصحابه – جعلت التوجيه يستقر في قلوبهم،

وبقي ماثلا امام بصائرهم؛

لما ارتبط به من معان تربويه كريمه  .


ارايتم (التعليم بالمحاوره)):
انه يريد لفت انظارهم الى ان كل حركة يتحركونها،

وكل عمل يقومون به،

حتى ما يرون انه من العادات او من دواعي الغريزه – يجب استغلاله للتزود لذلك اليوم،

وكان – صلى الله عليه وسلم – يسعى دائما لترسيخ تلك المعاني في نفوس الصحابه ،



فنراه يقول في موطن اخر:

((وفي بضع احدكم صدقه) قالوا:

يا رسول الله،

اياتي احدنا شهوته ويكون له فيها اجر

قال:

((ارايتم لو وضعها في حرام،

اكان عليه فيها وزر

فكذلك اذا وضعها في الحلال كان له اجر) .


ويقول في موطن ثالث:

((وانك مهما انفقت من نفقه،

فانها صدقه،

حتى اللقمه التي ترفعها الى في امراتك) .


ما بال اقوام:
من هدي رسول الله:

الا يستخدم القول المباشر في تعليم الناس،

انما يخاطبهم بعموم القول؛

كيلا يشعر احد بالحرج،

وتهتز ثقته بنفسه،

وينعزل عن جماعته واخوته وامته؛

لذا كان رسول الله يستخدم ذلك القول اللطيف في كثير من الاحيان:

((ما بال اقوام)).
ولنر كيف رد الرسول وعلم صحابته وردهم الى الصواب بذلك الاسلوب الذي لا يتعمد اساءه او تخصيصا لاحد بالذنب؛

لما في ذلك من مراعاه شعور المخطئ،

والتاكيد على عموم التوجيه.
حدث هذا في مواقف عده،

اشهرها:

عندما جاء نفر من الصحابه يريدون معرفه كيفية عباده النبي – صلى الله عليه وسلم – وصلاته،

فسالوا ازواج النبي – صلى الله عليه وسلم – عن عمله في السر،

فاخبرتهم زوجات النبي – صلى الله عليه وسلم – انه يصوم احيانا ويفطر احيانا،

وينام بعضا من الليل،

ويصلي بعضه،

فقال بعضهم لبعض:

هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه،

ثم اتخذ كل واحد منهم قرارا!
فقال احدهم:

انا لن اتزوج،

وقال الاخر:

وانا ساصوم دائما،

وقال الثالث:

وانا لا انام الليل.
فبلغ النبي – صلى الله عليه وسلم – ما قالوه،

فقام على منبره،

فحمد الله واثنى عليه،

ثم قال:
ما بال اقوام،

((هكذا مبهما،

لم يقل ما بال فلان وفلان)).
(ما بال اقوام قالوا:

كذا وكذا،

لكني اصلي،

وانام،

واصوم،

وافطر،

واتزوج النساء،

فمن رغب عن سنتي،

فليس مني) .


لينتهن عن ذلك!
وفي يوم اخر لاحظ النبي – صلى الله عليه وسلم – ان رجالا من المصلين معه يرفعون ابصارهم الى السماء في اثناء صلاتهم،

وهذا خطا؛

فالاصل ان ينظر احدهم الى موضع سجوده،

فقال – صلى الله عليه وسلم

((ما بال اقوام يرفعون ابصارهم الى السماء في صلاتهم))،

فلم ينتهوا عن ذلك واستمروا يفعلونه،

فلم يفضحهم او يسمهم باسمائهم،

وانما قال:

((لينتهن عن ذلك،

او لتخطفن ابصارهم) .


اللهم بلغت:
ومن ذلك ما حدث مع عبد الله بن اللتبيه حين استعمله النبي – صلى الله عليه وسلم – على صدقات بني سليم،

فقبل الهدايا من المتصدقين،

فعن ابي حميد الساعدي قال:

استعمل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رجلا على صدقات بني سليم،

يدعى:

ابن اللتبيه،

فلما جاء حاسبه،

فقال:

هذا مالكم،

وهذا هديه،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم

((فهلا جلست في بيت ابيك وامك،

حتى تاتيك هديتك ان كنت صادقا؟))،

ثم خطبنا،

فحمد الله،

واثنى عليه،

ثم قال:

((اما بعد،

فاني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله،

فياتي فيقول:

هذا مالكم،

وهذا هديه اهديت لي،

افلا جلس في بيت ابيه وامه حتى تاتيه هديته

والله لا ياخذ احد منكم شيئا بغير حقه الا لقي الله بحمله يوم القيامه،

فلا اعرفن احدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء،

او بقره لها خوار،

او شاه تيعر))،

ثم رفع يديه حتى رؤي بياض ابطيه،

يقول:

((اللهم بلغت) بصر عيني،

وسمع اذني .


اتحبه لامك:
ولننظر الى طريقته التربويه الرائعه التي يجب ان تكون منهاجا في التعامل مع الشباب والمراهقين،

حين جاءه شاب يريد ان ياذن له في الزنا،

انها طريقة الحوار والمصارحه،

والتي نغفل عنها كثيرا في تعاملنا ودعوتنا للاخرين:
لقد اتى فتى شاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال:

يا رسول الله،

ائذن لي بالزنا،

فاقبل القوم عليه فزجروه،

وقالوا:

مه،

مه،

فقال:

ادنه،

فدنا منه قريبا،

قال:

فجلس،

قال:

اتحبه لامك

قال:

لا والله،

جعلني الله فداءك،

قال:

ولا الناس يحبونه لامهاتهم،

قال:

افتحبه لابنتك،

قال:

لا والله يا رسول الله،

جعلني الله فداءك،

قال:

ولا الناس يحبونه لبناتهم،

قال:

افتحبه لاختك،

قال:

لا والله،

جعلني الله فداءك،

قال:

ولا الناس يحبونه لاخواتهم،

قال:

افتحبه لعمتك،

قال:

لا والله،

جعلني الله فداءك،

قال:

ولا الناس يحبونه لعماتهم،

قال:

افتحبه لخالتك،

قال:

لا والله،

جعلني الله فداءك،

قال:

ولا الناس يحبونه لخالاتهم،

قال:

فوضع يده عليه،

وقال:

اللهم اغفر ذنبه،

وطهر قلبه،

وحصن فرجه،

فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت الى شيء .


هكذا كانت طريقته – صلى الله عليه وسلم – مليئه بالحب والرحمه والشفقه بامته وبجميع البشر.
فسلاما وصلاه عليك ايها المبعوث رحمه للعالمين،

وجعلنا نسير على خطاك؛

كي نكون من اهل الفلاح في الدنيا والاخره.

  • الاتحبون ان يذهب الناس ب وتذهبون برسول الله؟
  • كيف كان الرسول يقود الناس في الغزوات
359 views

تعامل الرسول مع الناس